مقالات الرأي

حين يصبح صندوق الاقتراع جزءًا من معركة الحرية



بقلم / محمد علوش

ليس لنا أي مصلحة في تأجيل الانتخابات التشريعية، لأن التأجيل في الحالة الفلسطينية لا يعني فقط تأخير موعد انتخابي، وإنما يعني إبقاء حالة سياسية كاملة معلقة بين شرعيات قديمة ومؤسسات تنتظر التجديد، وبين واقع وطني يحتاج إلى إعادة ترتيب علاقاته وقواعده وآليات صنع القرار فيه، ومن هنا، فإن التمسك بإجراء الانتخابات في موعدها ليس موقفًا إجرائيًا، ولا دفاعًا عن استحقاق دستوري بمعناه الضيق، بل هو جزء من معركة أوسع، عنوانها: من يملك حق تقرير المستقبل السياسي الفلسطيني؟

هذا هو السؤال الحقيقي، فالاحتلال يريد أن يبقى حاضرًا في كل تفاصيل حياتنا، لا باعتباره قوة احتلال فحسب، وإنما باعتباره قوة قادرة على التأثير في الجغرافيا والحركة والاقتصاد والسياسة، وحتى في إمكان ممارسة الفلسطيني حقه الديمقراطي. ولذلك، فإن العراقيل التي يضعها الاحتلال أمام الانتخابات ليست تفصيلًا تقنيًّا يمكن تجاوزه بالصمت، ولا ينبغي أن تتحول إلى سبب فلسطيني لتأجيل الاستحقاق.

إذا كان الاحتلال يريد تعطيل الانتخابات، فعلينا أن نذهب إليها أكثر تمسكًا بها، وأن نواجه إجراءاته بموقف سياسي واضح، وبحركة دبلوماسية وقانونية وشعبية واسعة، فالاحتلال لا يمكن أن يكون حكمًا على ديمقراطيتنا، ولا يجوز أن نسمح له بأن يتحول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى طرف يقرر متى ينتخب الفلسطينيون، ومن ينتخبون، وأين يمارسون حقهم في الانتخاب؟

وهنا يصبح المجتمع الدولي أمام اختبار لا يحتمل كثيرًا من التأويل. فالديمقراطية التي يطلب من الشعوب احترامها لا يمكن أن تكون حقًّا مشروطًا بإرادة القوة القائمة بالاحتلال، وحق تقرير المصير لا يبدأ عند حدود السياسة الخارجية وينتهي عند صندوق الاقتراع الفلسطيني.

إذا كان العالم جادًّا في الدفاع عن الديمقراطية، فعليه أن يدافع عن حق الفلسطينيين في ممارستها، لكن مسؤوليتنا لا تقل أهمية عن مسؤولية المجتمع الدولي. فليس المطلوب أن ننتظر من الخارج أن يحل مشكلاتنا الداخلية، ولا أن نجعل من الاحتلال شماعة لكل أزمة سياسية، والاحتلال هو أصل المشكلة الوطنية، نعم، لكنه لا يعفينا من مسؤولية بناء مؤسساتنا، وتجديد شرعياتنا، وإدارة اختلافاتنا داخل إطار سياسي ديمقراطي، ولهذا، فإن الانتخابات يجب أن تكون أيضًا مناسبة لمراجعة علاقتنا بالحياة السياسية نفسها.

لقد أنتجت السنوات الماضية قدرًا كبيرًا من الجمود، وأصبح المواطن، في كثير من الأحيان، بعيدًا عن مركز القرار، فيما ظلت المؤسسات السياسية تدور في مساحة ضيقة من التجاذبات، وهذا الوضع لا يمكن أن يستمر إذا كنا نريد بناء مشروع وطني قادر على مواجهة الاحتلال وتحمل أعباء المرحلة المقبلة.

الانتخابات ليست عصًا سحرية، ولن تنهي الاحتلال، ولن تنهي الانقسام بمجرد فتح صناديق الاقتراع، لكنها يمكن أن تفتح نافذة سياسية جديدة، وتعيد الاعتبار للمواطن، وتجدد المؤسسات، وتمنح النظام السياسي فرصة لاستعادة شرعيته الشعبية، وتوفر قاعدة أكثر صلابة لإعادة بناء الوحدة الوطنية، ولهذا تحديدًا، أرى أن الانتخابات يجب ألا تختزل في سؤال: من يفوز؟ ومن يحصل على عدد أكبر من المقاعد؟ بل السؤال الأهم هو: أي نظام سياسي نريد أن نبني بعد الانتخابات؟

نريد نظامًا يعترف بالتعددية، ويحتكم إلى صندوق الاقتراع، ويضمن التداول الديمقراطي، ويحمي التعدد السياسي والاجتماعي، ويعيد الاعتبار للمؤسسة الوطنية، ويضع حدًّا لمنطق الإقصاء والاستئثار، ويفتح الطريق أمام إنهاء الانقسام وإعادة توحيد المؤسسات على قاعدة سياسية وقانونية واحدة، ومن هنا، فإن مشاركتنا في الانتخابات ليست بحثًا عن مقاعد، وإنما تعبير عن رؤية سياسية نعتقد أن مكانها الطبيعي هو داخل المجتمع، وبين الناس، وفي قلب الصراع على مستقبل النظام السياسي الفلسطيني.

وبالنسبة إلى جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، فقد أنجزنا استعداداتنا لخوض العملية الديمقراطية، وننظر إلى المشاركة الانتخابية باعتبارها جزءًا من مسؤوليتنا الوطنية والتنظيمية، ونحن نعمل من أجل أوسع ائتلاف وطني ومجتمعي ممكن، لأن اللحظة الراهنة لا تحتاج إلى مزيد من التجزئة، بقدر ما تحتاج إلى مساحة سياسية قادرة على جمع القوى الديمقراطية والاجتماعية حول برنامج واضح.

إن أوسع مشاركة شعبية هي، في حد ذاتها، رسالة سياسية: رسالة إلى الاحتلال بأن الفلسطينيين، رغم كل ما يتعرضون له، لن يتخلوا عن حقهم في صناعة مستقبلهم؛ ورسالة إلى المجتمع الدولي بأن الشعب الفلسطيني ليس مجرد موضوع للمساعدات أو البيانات أو المؤتمرات، وإنما شعب له حق أصيل في تقرير مصيره واختيار مؤسساته وممثليه؛ ورسالة إلى الداخل الفلسطيني بأن خلافاتنا السياسية يجب أن تُحسم بالحوار وصندوق الاقتراع، لا بالتعطيل والإقصاء.

لقد آن الأوان لأن نستعيد السياسة من حالة الانتظار، وأن نستعيد للمواطن موقعه في المعادلة، وأن نعيد للمؤسسات معناها، وأن نفهم الانتخابات باعتبارها جزءًا من فعل التحرر الوطني، لا خروجًا منه، فالتحرر لا يعني فقط أن نرفع العلم فوق الأرض المحررة؛ التحرر يعني أيضًا أن يمتلك الإنسان حقه في أن يكون شريكًا في صناعة القرار الذي يحدد مصير هذه الأرض، ولهذا، فإن المعركة من أجل الانتخابات هي، في جوهرها، معركة على الإرادة: إرادة شعب يريد أن يقول كلمته، وإرادة احتلال يريد أن يبقي هذه الكلمة محاصرة، وبين الإرادتين، لا يجوز لنا أن نقف في المنتصف.

أنا مع الانتخابات في موعدها، لا لأن الانتخابات تحل كل أزماتنا، بل لأنها تمنحنا فرصة لمواجهة أزماتنا من موقع أكثر قوة وشرعية، وأنا مع الانتخابات لأنني لا أؤمن بأن الاحتلال يجب أن يقرر شكل حياتنا السياسية، ومعها لأنني أؤمن بأن الديمقراطية ليست ترفًا نؤجله حتى تتحسن الظروف، بل واحدة من أدوات الصمود في أسوأ الظروف.

لقد اعتدنا أن نقول إن الاحتلال يصادر الأرض، لكن الخطر أن نسمح له، من حيث لا ندري، بأن يصادر الإرادة أيضًا، فالأرض يمكن أن تستعاد بالنضال، والمؤسسات يمكن أن يعاد بناؤها، والانقسام يمكن أن ينتهي بإرادة سياسية صادقة، أما إذا فقدنا إرادة الاختيار، فقد خسرنا شيئًا أعمق من مقعد في مجلس أو موعد انتخابات، لذلك، لنؤجل كل شيء يمكن تأجيله، إلا حق الشعب في أن يقرر، فالانتخابات ليست موعدًا على التقويم؛ إنها موعد مع الإرادة الفلسطينية.

زر الذهاب إلى الأعلى