ليبيا إذا تستثمر في عقول أبنائها لا يمكن أن تكون فقيرة

د.علي المبروك أبوقرين
الثروة الحقيقية للأمم ليست ما تختزنه أرضها من نفط وغاز ومعادن، ولا ما تملكه من مساحات شاسعة ومواقع استراتيجية وموانئ وموارد طبيعية وإنما ما تصنعه بهذه الثروات من عقول، وما تبنيه بها من إنسان قادر على المعرفة والإبداع والإنتاج وصناعة المستقبل. والثروات الطبيعية مهما عظمت تظل موردا قابلا للنضوب والتقلب والهدر، أما الإنسان المتعلم صاحب العقل المستنير والقدرة على التفكير والابتكار فهو الثروة التي تتجدد وتراكم قيمتها جيلا بعد جيل. إن الحديث عن ليبيا ومستقبلها لا ينبغي أن يبدأ من حجم إنتاج النفط ولا من أرقام الموازنات والإنفاق العام ولا من مشروعات البنية التحتية وحدها وإنما من نوعية الإنسان الذي نريد أن تصنعه الدولة الليبية، وبالمكانة التي نمنحها للتعليم في فلسفة الدولة وأولوياتها وقراراتها واستثماراتها. فبلد يمتلك ثروة طبيعية هائلة، وموقعا يربط أفريقيا بأوروبا والبحر المتوسط، ومساحة جغرافية واسعة، وعددا سكانيا محدودا، لا يملك مبررا مقبولا لأن يعجز عن بناء واحد من أفضل النظم التعليمية في العالم ولا أن يترك أجياله رهينة مدارس متهالكة ومناهج متقادمة ومعلمين لا ينالون ما يستحقونه من تقدير وتأهيل وإنصاف. إن التعليم في ليبيا يجب أن يتحول من قطاع حكومي يقدم خدمة محدودة الإمكانيات إلى مشروع وطني استراتيجي شامل، ومن بند إنفاق في الميزانية إلى أعظم استثمار في الثروة الوطنية، ومن وظيفة إدارية تقيم بعدد المدارس والفصول والشهادات إلى صناعة متكاملة للإنسان والعقل والمعرفة. وهذا التحول لا يتحقق بالترقيع ولا بتغيير أسماء المشروعات والبرامج ولا بتوزيع الوعود، ولا بإعادة طلاء المدارس المتهالكة أو إضافة فصول إسمنتية إلى مباني لم تعد صالحة لمتطلبات التعليم الحديث. إنما يحتاج إلى إعادة تأسيس جذرية لفلسفة التعليم وبنيته ومؤسساته وموارده ومناهجه وطرائق إدارته وتقييمه، وفق رؤية وطنية طويلة المدى لا تخضع لتغير الحكومات ولا للمساومات السياسية ولا لمزاج المسؤولين. ولا يمكن بناء عقل مبدع داخل بيئة تعليمية متخلفة، ولا صناعة المعرفة في مدارس تفتقر إلى أبسط مقومات الصحة والسلامة والراحة والإضاءة والتهوية والمساحات الخضراء والمرافق الرياضية والثقافية والمختبرات والمكتبات والتقنيات الحديثة. فالمدرسة ليست جدرانا وسقفا ومقاعد وجرسا يعلن بداية الحصة ونهايتها وإنما بيئة إنسانية وعلمية واجتماعية متكاملة، يتعلم فيها الطفل كيف يفكر وكيف يكتشف وكيف يسأل ويتحاور ويجرب ويخطئ ويصحح ويبتكر. وينبغي أن تكون مدارس ليبيا مؤسسات تعليمية حديثة مصممة وفق المعايير الهندسية والصحية والبيئية والتربوية المعاصرة، تستوعب أعداد الطلاب دون ازدحام، وتوفر لهم المختبرات والورش والمسارح والمكتبات والملاعب والمساحات المخصصة للفنون والعلوم والأنشطة، وتوظف التكنولوجيا باعتبارها أداة للمعرفة وليست مجرد واجهة شكلية للتحديث. وفي قلب هذه النهضة يقف المعلم، فهو ليس موظفا عاديا ولا صاحب وظيفة متدنية الأجر والمكانة وإنما هو صانع العقول ومربي الأجيال وأحد أهم أعمدة الأمن الوطني والتقدم الحضاري. ومن غير المقبول أن تطلب الدولة من المعلم أن يصنع مستقبل الأمة بينما تضعه في ظروف معيشية ومهنية لا تليق برسالته أو أن تحمله مسؤولية إصلاح التعليم دون أن توفر له التأهيل المستمر والرواتب العادلة والبيئة المهنية المحترمة والاستقرار الوظيفي والتقدير الاجتماعي. إن مكانة المعلم في المجتمع يجب أن تسبق كثيرا من الامتيازات الوظيفية التي تمنحها الدولة لمهن أخرى، وأن يصبح الالتحاق بمهنة التعليم اختيارا تنافسيا رفيع المكانة، قائما على الكفاءة والاستعداد والقدرة على التربية والتفكير والتواصل وليس مجرد وسيلة للحصول على وظيفة حكومية. أما المناهج فلا يجوز أن تظل أسيرة التلقين والحفظ واسترجاع المعلومات واجتياز الامتحانات. المطلوب تعليم يفتح العقل على العلوم الطبيعية والإنسانية والتطبيقية، ويؤسس للغة والرياضيات والمنطق والتفكير النقدي والبحث العلمي والثقافة والفنون، ويزرع مهارات الابتكار والعمل الجماعي وحل المشكلات، ويواكب التحولات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي والعلوم الرقمية والتكنولوجيا الحيوية والهندسة والطاقة والبيئة والطب والاقتصاد. تعليم يتابع ما يستجد في العالم، وينقل أحدث المعارف والتجارب ويعمل على توطينها وتطويرها بما يتناسب مع حاجات ليبيا وإمكاناتها وأولوياتها. فليس المطلوب أن نكون مستهلكين لما ينتجه الآخرون من معرفة وإنما أن نكون شركاء في إنتاجها والإضافة إليها. ويجب أن يكون التعليم حقا عاما متاحا لجميع الليبيين في كل مدينة وقرية وواحة ومنطقة نائية، ولجميع الأعمار والمراحل من الطفولة المبكرة إلى التعليم المدرسي والجامعي والتقني والمهني، وصولا إلى التعلم المستمر وتعليم الكبار وإعادة التأهيل المعرفي والمهني. فلا يجوز أن تحدد الجغرافيا أو الظروف الاجتماعية أو القدرة المالية للأسرة نوعية التعليم الذي يحصل عليه الإنسان. يجب أن يتساوى أبناء المدن والقرى والصحراء في فرص التعلم وإمكاناته وجودته، وأن تكون المدرسة والجامعة والمراكز العلمية امتدادا طبيعيا لحق الإنسان في المعرفة أينما كان. وهذا يقتضي أن تتبنى الدولة تعليما عاما مجانيا بالكامل ولا تقتصر مجانيته على إعفاء الطالب من الرسوم الدراسية وإنما تشمل الكتب والمراجع والأدوات والأجهزة والزي المدرسي والنقل والوجبات الغذائية الصحية والأنشطة التعليمية والثقافية والرياضية، مع توفير مكافآت وحوافز للطلاب وفق معايير عادلة تشجع التفوق والاجتهاد والاستمرار. ومن اليوم الأول لالتحاق الطفل بالتعليم ينبغي أن تخصص له الدولة موازنة تعليمية فردية تغطي احتياجاته الفعلية والمتكاملة، وتستمر في النمو والتطور معه من مرحلة إلى أخرى حتى إتمام تعليمه وتأهيله، بما في ذلك فرص التعليم الجامعي والتقني والمهني بحسب قدراته واستعداده واختياراته. فالطالب مشروع إنسان واستثمار وطني طويل الأجل، له احتياجات وحقوق ومسار تعليمي ينبغي التخطيط له وتمويله ومتابعته حتى اكتماله. كما يجب أن تصبح البعثات العلمية وسيلة استراتيجية لنقل المعرفة المتقدمة وليست مجرد امتيازات اجتماعية أو فرص للسفر أو شهادات تضاف إلى الملفات الوظيفية. ترسل ليبيا أفضل طلابها إلى أرقى المؤسسات التعليمية والبحثية في العالم، في مختلف التخصصات التي تحتاج إليها البلاد، وفق اختيارات علمية دقيقة، وبرامج إعداد ومتابعة وتقييم، مع بناء مسارات حقيقية لعودتهم ومشاركتهم في تأسيس الجامعات ومراكز الأبحاث والمختبرات والصناعات الوطنية. ولا ينبغي أن يكون طموحنا تخريج آلاف الحاصلين على الشهادات وإنما إعداد أجيال تمتلك القدرة على إنتاج العلم وتطبيقه وتحويله إلى قيمة مضافة في حياة المجتمع واقتصاده. ومن الضروري أن يكون هذا المشروع قائما على رفض واضح لا لبس فيه لتجارة التعليم وتحويله إلى نشاط استثماري قائم على القدرة الشرائية للأسر. فلا مكان في فلسفة الدولة التي نطمح إليها لطبقية تعليمية تتيح لأبناء القادرين مدارس وجامعات ذات إمكانيات مرتفعة، وتترك أبناء بقية المجتمع لمؤسسات عامة مستنزفة ومحدودة الجودة. التعليم ليس سلعة، والمعرفة ليست منتجا تجاريا، والشهادة ليست بضاعة تعرض في الأسواق. إن فتح المجال أمام التجارة في التعليم على حساب المؤسسة العامة لا يصنع بالضرورة جودة وإنما يصنع تفاوتا طبقيا ومعرفيا، ويحول الحق العام إلى امتياز لمن يستطيع الدفع، ويضعف المسؤولية الوطنية عن بناء مدرسة وجامعة واحدة بمعايير متكافئة للجميع. ولذلك فإن المطلوب ليس تجميل التعليم الحكومي المتراجع بالتعايش مع واقع تعليمي خاص مواز ولا ترقيع منظومة فقدت قدرتها على أداء رسالتها وإنما استعادة مسؤولية الدولة الكاملة عن التعليم وإعادة بنائه على أساس الجودة والعدالة والكفاءة والمجانية. فوجود التعليم الخاص لا ينبغي أن يكون مخرجا من إخفاق الدولة، ولا ذريعة لتأجيل إصلاح مؤسساتها، ولا بديلا عن التزامها تجاه الأجيال. ولا يجوز أن يصبح المال وسيلة لشراء فرص تعليمية أفضل أو شهادات أسرع، أو أن تتحول المؤسسات التعليمية إلى مشروعات ربحية تقاس نجاحاتها بما تحققه من إيرادات لا بما تصنعه من عقول ومعارف وكفاءات. ولا يقل عن ذلك أهمية أن تخضع الجامعات والمعاهد ومؤسسات التعليم والاعتماد والتقييم لمعايير علمية صارمة، وأن تنتهي ثقافة الشهادات التي لا تعكس علما ولا مهارة ولا كفاءة، وأن يصبح التقييم قائما على ما يمتلكه الخريج من معرفة وقدرة على التطبيق والإبداع والبحث والإنتاج. فالدولة التي تتساهل في جودة التعليم وتمنح الشهادات دون استحقاق إنما تصنع وهما جماعيا، وتراكم عجزا علميا ومهنيا وإداريا ستدفع الأجيال ثمنه سنوات طويلة. إن ليبيا تستطيع أن تجعل من التعليم أعظم مشروع وطني في تاريخها الحديث، وأن تخصص له من ثرواتها الطبيعية ما يليق بمكانته، وأن تجعل الاستثمار في الإنسان أولوية تتقدم على كثير من أوجه الإنفاق الأخرى. ويمكنها أن تبني جامعات بحثية متقدمة، ومراكز للعلوم والتكنولوجيا، ومؤسسات للابتكار، ومدارس نموذجية في كل المناطق، وأن تستقطب العلماء والخبراء، وتستعيد كفاءاتها المهاجرة، وتؤسس شراكات معرفية مع أرقى مؤسسات العالم. لكن ذلك يتطلب إدارة وطنية كفؤة وتمويلا مستداما وتخطيطا علميا وشفافية ومحاسبة، وحماية التعليم من الفساد والمحاصصة والتجاذبات، وضمان استمرارية المشروع عبر الأجيال. إن الإنفاق على تعليم طفل ليبي اليوم ليس عبئا على الخزانة العامة وإنما هو استثمار في طبيب ومهندس وعالم ومعلم وباحث ومخترع ومواطن صالح قد يصنع غدا ما يعجز عن صنعه اقتصاد كامل. والوجبة الصحية التي تقدم لطالب اليوم ليست مصروفا زائدا، والكتاب الذي يوضع بين يديه ليس تكلفة مستهلكة، والراتب العادل الذي يمنح لمعلمه ليس عبئا وظيفيا، والمختبر الذي ينشأ في مدرسته ليس ترفا عمرانيا إنها جميعا أصول وطنية تتراكم قيمتها في صحة المجتمع وإنتاجيته واستقراره وقدرته على المنافسة والبقاء. إن الدول التي تريد أن تحجز مكانا لها في المستقبل لا تكتفي باستخراج ثروات الأرض وإنما تستخرج من عقول أبنائها أعظم ما فيها من طاقات. وليبيا بما تملكه من إمكانات ليست مضطرة إلى الاختيار بين بناء الطرق والموانئ والمطارات وبين بناء الإنسان، لكنها مطالبة بأن تفهم أن كل طريق بلا عقل يقود إلى التنمية يظل مجرد إسفلت، وكل مبنى بلا معرفة لا يصنع حضارة، وكل ثروة بلا تعليم قد تتحول إلى فرصة مهدرة تتوارث الأجيال نتائج تبديدها. إن أعظم ما يمكن أن تتركه ليبيا لأبنائها ليس رصيدا من النفط ولا خزائن من المال، وإنما دولة تحترم عقولهم، وتتكفل بتعليمهم، وتمنحهم فرصا متكافئة، وتضع المعلم في مكانته، وتجعل المدرسة والجامعة منارات للعلم والإبداع. فالثروة التي لا تتحول إلى معرفة تضيع، والمال الذي لا يتحول إلى إنسان يبقى مجرد أرقام، والدولة التي لا تستثمر في عقول أبنائها إنما تنفق مستقبلها قبل أن يأتي. التعليم ليس عبئا على الدولة وإنما هو مبرر وجودها وأعظم مسؤولياتها وأبقى استثماراتها. وليس من حق أي جيل أن يستهلك ثروات الأجيال القادمة ويترك لها الجهل والتخلف، فالثروة الوطنية أمانة، وأول وجوه الوفاء بهذه الأمانة أن تتحول إلى علم ومعرفة وعقول قادرة على صناعة المستقبل.
