ليبيا.. السبب والمسبب والسببية

بقلم / أبو صاع زامونة
كل ما يحدث في هذا الكون هو سبب ومسبب، ونحن بني البشر جبلنا على التعامل مع النتائج دونما الرجوع إلى الأسباب التي أدت إلى وقوع هذه النتائج والوقوف عندها والبحث عن الأسباب التي أدت إلى وقوع الأحداث وتعليلها، وهذا في اعتقادي هو مربط الفرس ومحور الإشكال الذي أوصل البلاد إلى ما هي عليه الآن وما ستؤول إليه فيما بعد، وكل ما يحدث من حلول هي حلول عرجاء، لأنها تماهت مع النتيجة وأغفلت السبب الذي من المفترض ألا يتم تشخيص النتيجة بمعزل عنه والتشخيص بحد ذاته يحتاج إلى التجرد التام من العاطفة والأهواء والنزغات والانتماءات الأيديولوجية والتعامل بموضوعية مطلقة لكي يتسنى لنا ضمان النتائج المرجوة بعيدًا عن التوجه العقدي الذي أعتبره من أهم الأسباب التي حادت بالمفكرين وأصحاب الرأي عن جادة الصواب، وجعلت منهم معاول لهدم المجتمع بدل أن يكونوا أدوات للبناء، وأسهموا أيما إسهام في مراكمة الشوائب والرواسب والأدران التي علقت بالجسد الليبي ذهنيًّا، ومارسوا هواية القفز إلى الأمام فقط، ولم يدركوا أن الانحناء في غالب الأحيان هو سبيل النجاة.
إن التضليل الذي مورس على الشعوب العربية بشكل عام خلق أرضية هشة لم تستطع مقاومة الطوفان بفضل التجاهل والجهل ببواطن الأمور وصغائرها والعكف عن معالجتها في حينها، فمعظم النار دائمًا ما تكون من مستصغر الشرر، والوقوف على هذا الشرر ومعرفة أسباب حدوثه مع التعليل والتحليل ووضع التدابير الاحترازية والوقائية اللازمة لعدم وقوعه مرة أخرى، بل ومنعه من الحدوث في حالات متقدمة من خلال رفع حالة الوعي المجتمعي المستدام إزاء كل حادثة أو ظاهرة من شأنها تشويه وتلويث المناخ العام للدولة بعرضها على الشعب كما هي دون زيادة أو نقصان أو تضليل، وألا يتم توظيفها التوظيف السلبي الذي يهدف إلى إيداعها في حساب شخص أو عائلة لزيادة رصيدهم وحاضنتهم الشعبية كلما أوشكت على النفاد، وهذه العقول المتعفنة هي من دمرت الدول وهدمتها على رؤوس ساكنيها بسياساتها الفاشلة، لأن هذه الطبقة المخملية الفاسدة مع الاستثناء تمارس التضليل والتدليس وتزييف الوقائع على الحاكم والمحكوم معًا، وتعطي كلًّا منهما ما يوافق هواه ويشبع نهمه إلى أن يحدث ما لا تحمد عواقبه، وتتبرأ تلك الفئة الباغية من أفاعيلها كما يتبرأ الشيطان من وسوسته للإنسان، حيث يقول يوم الحشر إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين، بعد أن كان سببًا في تدمير بني آدم وإغوائهم وإغراقهم في الملذات الدنيوية وارتكاب المعاصي والمنكرات وإشغالهم باللهث وراءها وهو السبيل والدليل لضلالتهم وإيصالهم إلى مصيرهم المحتوم جهنم وبئس المصير خالدين فيها، والخلود في جهنم هنا هو نتيجة، والسبب بالإضافة إلى الشيطان هو نفسك الضعيفة التي تجاهلت الزلات والهفوات وتماهت معها ولم تكبح جماحها إلى أن تنامت وكبرت وأزهرت وأثمرت وأنت عنها ضرير، فكيف نجزع ونهرع ونقيم الدنيا ولا نقعدها على النتائج ونحن عن الأسباب غافلين، كيف نعلل الحدث الآني ونسبغ أغواره ونتجاهل السبب، كيف نتعامل مع كل ما يحدث بمبدأ ردة الفعل فقط ونتغافل عن الفعل نفسه.
نحن أحوج ما نكون إلى إعادة ضبط المفاهيم وتسمية الأشياء بمسمياتها، وهذه أولى خطوات تصحيح المسار، بل وأهمها على الإطلاق، لأن الأرضية الرخوة لا يمكن البناء عليها، ومآلها الانهيار والسقوط، ونحن نعي جيدًا أن تصحيح المفاهيم وإزالة الترسبات وإرساء مبادئ الشفافية والمحاسبة والعدالة الاجتماعية وخلق بيئة توافقية بين أبناء الأمة الليبية ونشر الوعي وإعمال القانون وتطهير القضاء وغيرها تحتاج منا إلى جهد مضاعف ووقت ليس بالقصير وتحد ليس باليسير، ولكن لا بد من وجود نخبة تعي جيدًا خطورة المرحلة وتقرأ ما بين السطور بعيدًا عن الخطابات الشعبوية التي صيغت للاستهلاك الإعلامي ودغدغة عواطف الناس لكسب الوقت ليس إلا، ولا يشفي الناقة الجرباء سوى حك أظافرها.
والتعويل يجب أن يكون دائمًا على الشعب والاستثمار يجب أن يكون في الشعب وتغيير الواقع لابد أن يكون من الشعب بعد استيفاء الشروط التي ذكرناها آنفًا وهي معالجة الأسباب لضمان النتائج.
