مقالات الرأي

إعدام بلا محاكمة: القصة الكاملة لاستنزاف وطن



بقلم / نجوى مصطفى

​يتجلى المشهد الليبي كلوحة جدارية حزينة تحكي قصة أمة حكم عليها بالحرمان والضياع دون جريرة. إن عبارة إعدام بلا محاكمة ليست مجرد صياغة بلاغية، بل هي التوصيف الدقيق للواقع الذي عاشه الشعب الليبي حين سحبت منه حريته واستقلالية قراره الوطني. لقد تحول الوطن الواحد إلى ساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية والنزاعات الداخلية التي زرعت الفتنة بين الإخوة ودمرت المراكز الحيوية والمؤسسات السيادية تحت وطأة حروب عبثية أتت على الأخضر واليابس.

​ولم تقف الجريمة عند حدود التمزق الاجتماعي، بل امتدت لتستهدف صروح الإنتاج والتنمية التي كانت تغذي الوطن والمواطن، وعلى رأسها القلاع الصناعية والإنتاجية، كشركة المطاحن والأعلاف والمجمعات الغذائية الوطنية التي طالها التهميش والفساد الممنهج حتى توقفت خطوط إنتاجها وأفلس حارس أمنها الغذائي. وفي مقابل تدمير الإنتاج المحلي انتعش اقتصاد الفساد عبر منظومة الاعتمادات المستندية التي أصبحت أداة نهب منظمة لتهريب المال العام. فبدل توجيه التدفقات النقدية لتأمين السلع الأساسية أصبحت الاعتمادات تجاريّا تمنح لفئة محددة من التجار المتآمرين لتهريب العملة الصعبة إلى الخارج وتوريد حاويات فارغة أو سلع وهمية مما أسهم في خلق عجز قياسي في السيولة المالية داخل البنوك الوطنية وإجبار المواطن على الوقوف في طوابير طوال أمام المصارف للحصول على القليل من ماله المسلوب.

​إن أشد صور هذا الإعدام قسوة تتجلى في المأساة الإنسانية التي يكتوي بنارها مرضى الأورام والأمراض المزمنة. ففي بلد يعوم على بحر من النفط وتتدفق منه المليارات يجد المريض نفسه عاجزًا عن الحصول على جرعة علاج أو جرعة كيماوي ينقذ بها حياته نتيجة استنزاف الميزانيات المخصصة للإمداد الطبي وتبديدها في صفقات مشبوهة، ليتحول حلم العلاج إلى عبء لا يطاق، ولتذهب أموال الوطن إلى خزائن الفئة الفاسدة التي تتاجر بآلام الليبيين دون رادع من ضمير.

​ولمن يمتلك ذرة من عقل وحيادية، تكفي مقارنة بسيطة بين حقبتين تاريخيتين ليتضح الفرق الذي يراه حتى الأعمى. مقارنة بين حقبة كانت الدولة فيها تمتلك مؤسسات إنتاجية قائمة وسياجًا من الأمن الغذائي والخدمات المجانية وتوفرًا دائمًا للسيولة ودعمًا حقيقيًّا للدواء وبين واقع اليوم الذي تحكمه الفوضى والارتهان وضياع المقدرات وتجارة الأزمات.

​وفي وسط هذا الظلام والمواجهة القاسية يقف الجيش الليبي كالقوة الصامدة التي تحرس ثغور الوطن وتذود عن كرامته متصدية لأمواج الفوضى والارتهان. إن تاريخ هذا الشعب الأبي يؤكد أن أعتى الأحكام وأقساها لا تستطيع قتل روح أمة مصممة على الحياة، فالشمس التي غابت وراء غمامات الفتنة والفساد. ؟؟؟؟؟؟؟؟.

زر الذهاب إلى الأعلى