مقالات الرأي

كرسي نيويورك وأوهام المنفي


بقلم / عفاف الفرجاني

في لحظة تبدو فيها الدولة الليبية عاجزة عن استكمال مشروع وحدتها السياسية والأمنية، تفتح السلطة ملفًّا آخر عنوانه الترشح لمقعد غير دائم في مجلس الأمن للفترة 2028 2029.

وقد أطلقت ليبيا رسميًّا حملتها في نيويورك في سبتمبر الجاري 2026، فيما كان المجلس الرئاسي قد شكل، في وقت سابق، لجنة وطنية لمتابعة ملف الترشح وحشد التأييد الدولي. ومن المقرر أن تجري الانتخابات في يونيو 2027.

قد تبدو لكم المسألة في ظاهرها دبلوماسية، لكنها في جوهرها تكشف مفارقة سياسية عميقة. فمجلس الأمن ليس منصة للعلاقات العامة، ولا شهادة تقدير تمنح للدول على حضورها البروتوكولي، بل هو الجهاز الأممي المسؤول عن صون السلم والأمن الدوليين، وتصدر عنه قرارات ملزمة في ملفات الحروب والعقوبات والأزمات الدولية.

في تقديري هنا علينا أن نضع تساؤلًا جوهريًّا: بأي صورة تريد طرابلس أن تظهر في المجلس، بينما لا تزال الدولة نفسها تبحث عن صيغة تجمع مؤسساتها وتضع حدًّا للانقسام السياسي والأمني؟

حتى الأمم المتحدة نفسها ما زالت تصف مهمتها في ليبيا بأنها دعم العملية السياسية، وتوحيد المؤسسات، وتنفيذ وقف إطلاق النار، ودفع البلاد نحو الانتخابات والمصالحة الوطنية.

المضحك المبكي أنه في سبتمبر الجاري رحب مجلس الأمن باتفاق ليبي يتعلق بإعادة تشكيل مفوضية الانتخابات وتعديل الإطار الانتخابي، بما يعكس أن ملف بناء الشرعية الوطنية لم يحسم بعد.

والأكثر دلالة أن ليبيا لا تدخل هذا السباق منفردة داخل شمال أفريقيا. فقد سبق للاتحاد الأفريقي أن أدرج المغرب وليبيا ضمن الترشيحات الخاصة بالمنطقة لشغل مقعد غير دائم، مع دعوة المجموعة الأفريقية إلى التشاور للوصول إلى مرشح عن كل منطقة.

أن يدخل المغرب المنافسة من موقع دولة ذات مؤسسات مستقرة وإدارة دبلوماسية ممتدة، فهذا منطقي، بينما الذي لا يستند لأي منطق أن ليبيا لا تزال تعالج ملفات السيادة والسلاح والانقسام، وتترشح لخوض هذا الدور!!!

والأكثر سخرية أن ليبيا ما زالت خاضعة لتدابير محددة بموجب الفصل السابع، بينها حظر السلاح وتجميد أصول وتدابير مرتبطة بالتصدير غير المشروع للنفط، وقد مدد مجلس الأمن بعضها حتى 2027.

لذلك قد يكون السؤال الأكثر أهمية لي ولغيري من أبناء الشعب الليبي: هل تستطيع ليبيا الوصول إلى مقعد في نيويورك وهي لا تستطيع أن تستعيد مقعدها الحقيقي داخل بلادها المنقسمة؟

فالحقيقة الظاهرة في هذا الطرح لا تخص ليبيا وحدها هنا، بل يضع مجلس الأمن والمجتمع الدولي أمام مرآتهما كيف تسمح المنظومة الدولية لدولة لم تحسم بعد أزمتها السياسية والأمنية، ولم تستعد كامل سيادتها المؤسسية، أن تدخل سباقًا على مقعد يفترض في شاغله المشاركة في صناعة القرار بشأن أمن العالم؟ إذا كان هذا هو المعيار، فالمشكلة ليست في وهم ليبيا وحده، بل في النظام الدولي الذي يتيح لهذا الوهم أن يبدو مشروعًا.

زر الذهاب إلى الأعلى