مقالات الرأي

الدينار الليبي.. الأزمة أكبر من سعر الصرف


بقلم /عبد الباسط الورفلي

استمرار تراجع قيمة الدينار الليبي واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية لم يعد مجرد مشكلة نقدية يمكن علاجها بزيادة مخصصات النقد الأجنبي أو توسيع فتح الاعتمادات المستندية. فكل انخفاض جديد في قيمة العملة ينتقل سريعًا إلى أسعار الغذاء والدواء والخدمات، ويضغط بصورة أكبر على أصحاب الدخول الثابتة، بما يؤدي تدريجيًّا إلى تآكل الطبقة المتوسطة واتساع دائرة الفقر.

مصرف ليبيا المركزي حاول مواجهة الضغوط من خلال توفير النقد الأجنبي للأغراض الشخصية وتمويل الاستيراد عبر التوسع في فتح الاعتمادات المستندية، وهي أدوات مهمة لتلبية الطلب المشروع على العملة، لكن استمرار اضطراب سعر الصرف يشير إلى أن المشكلة أعمق من حجم المعروض من الدولار، وأن معالجة النتائج دون معالجة أسباب الطلب المتزايد على النقد الأجنبي لن تكون كافية.

فالاقتصاد الليبي يعتمد بصورة شبه كاملة على النفط للحصول على العملة الصعبة، وفي الوقت نفسه يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتوفير احتياجات السوق، وبين المورد والاستخدام توجد حلقات تحتاج إلى رقابة أكثر صرامة: صادرات النفط وإيراداتها، فاتورة الاستيراد، تهريب الوقود والسلع والأدوية، والتأكد من وصول السلع الممولة بالنقد الأجنبي الرسمي إلى السوق بالكميات والأسعار الحقيقية.

لذلك فإن حماية الدينار تحتاج إلى الانتقال من إدارة أزمة الصرف إلى برنامج اقتصادي متكامل. يبدأ ذلك بتوحيد ومطابقة بيانات إنتاج وتصدير النفط وإيراداته بصورة يومية، وتشديد مكافحة تهريب الوقود عبر منظومة إلكترونية تتبع حركة المحروقات من المستودع حتى نقطة البيع.

وفي التجارة الخارجية، تحتاج ليبيا إلى موازنة تجارية تقديرية تحدد احتياجات البلاد الفعلية من السلع الأساسية والمواد الخام ومستلزمات الإنتاج، مع توزيع فرص الاستيراد بشفافية بين الشركات المؤهلة ومنع احتكار الاعتمادات، وربط كل اعتماد بالفواتير والجمارك والمخزون والمبيعات.

كما يمكن الاستفادة من تجارب دول اعتمدت الفوترة الإلكترونية والربط الرقمي بين المصارف والجمارك والضرائب والسجل التجاري للحد من الفواتير الوهمية وتسرب النقد الأجنبي، إلى جانب بناء قاعدة بيانات موحدة تربط الرقم الوطني بالحسابات المصرفية والاستفادة من مخصصات النقد الأجنبي.

لكن الأهم أن استقرار الدينار لن يتحقق بسياسة نقدية منفردة. المطلوب ضبط الإنفاق العام، وتقليص الإنفاق غير المنتج، وتنشيط القطاعات الإنتاجية، خصوصًا الصناعة والزراعة والخدمات القابلة للتصدير، مع تشجيع الصادرات غير النفطية وتنويع مصادر الدخل من النقد الأجنبي، بما يقلل تدريجيًّا من اعتماد الاقتصاد على النفط والاستيراد. ويتطلب ذلك أيضًا إصلاح منظومة دعم المحروقات بصورة تدريجية ومدروسة تحمي أصحاب الدخول المحدودة. فالدفاع الحقيقي عن الدينار يبدأ بإصلاح الاقتصاد الذي يقف خلفه، لا بمجرد ضخ المزيد من الدولارات في السوق.

زر الذهاب إلى الأعلى