مقالات الرأي

انتظار الفرج من مشاريع الوهم!

بقلم / د_ مصطفى الزائدي


شِدَّةُ الأزمة الليبية وقوة تأثيراتها على الحياة المادية والنفسية للناس، تجعل الكثير منهم ينتظرون بارقة أمل من أي طرح يعتقدون أنه جدي وقادر على إخراج البلاد من أزمتها، فالبشر بطبيعتهم دائمًا يبحثون عن الأشياء المفرحة، ويخشون ويتجنبون الأخبار المؤلمة، خصوصًا عندما تطول الأزمات وتصبح جزءًا من تفاصيل حياتهم اليومية.

بالنسبة للأزمة الليبية، فإن الأخبار لا تسر، وإن دوامة الانهيار المتسارع قد انطلقت بالفعل، ولن يستطيع أحد إيقافها بسهولة إذا استمر التعامل معها بالأساليب نفسها التي أوصلت البلاد إلى هذا الوضع. فالأمور مترابطة ومركبة بعضها على بعض، فالانهيار السياسي ينتج عنه اضطراب أمني، ويتبعه انهيار اقتصادي قد يصعب اكتشاف آثاره في بدايته، لكنه سرعان ما يمس حياة جميع الأفراد، ويصل تأثيره إلى كل بيت وأسرة ومؤسسة، وهذا ما تشهده ليبيا اليوم من أزمات متلاحقة، من نقص الوقود، وانقطاع الكهرباء، ونقص السيولة النقدية، وارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، واضطراب الخدمات العامة، وغيرها من الإشكاليات الكبرى التي يعاني منها الناس بصورة يومية، حتى إن المواطنين والمسؤولين أصبحوا يرون في برودة الطقس في قادم الأيام أملًا في أن تضع حدًّا لمشكلة طرح الأحمال، هذا المصطلح الذي صار يعرفه الأطفال والكبار والمسنون على حد سواء، وأصبح جزءًا من قاموس الحياة اليومية لليبيين.

ومن هنا، فإن من المهم أن ينتبه الناس إلى خطورة انتظار الفرج من مشروعات الوهم، أو التعويل على حلول مؤقتة لا تعالج أصل المشكلة، فانتظار نتائج حقيقية من مثل هذه الطروحات يشبه انتظار العسل من زعانف العقارب! فالأزمات الكبرى لا تنتهي بالأمنيات، ولا يمكن إصلاح دولة تعاني من أزمة سياسية واقتصادية وأمنية عميقة بمجرد تغيير بعض الأشخاص أو إطلاق بعض المبادرات المنفصلة عن مشروع وطني شامل.

المخاطر التي تواجه ليبيا كبيرة ومعقدة، وقد دخلت مرحلة من التسارع، ويصعب إيقافها إذا استمر التعاطي معها بهذا الشكل الساذج، القائم على إدارة الأزمة بدلًا من معالجة أسبابها، وكل يوم يمر من دون وضع رؤية واضحة للمستقبل يزيد من تراكم المشكلات، ويجعل عملية الإصلاح أكثر صعوبة وكلفة.

إن بداية البدايات هي الشروع في تأسيس مشروع وطني واضح، يحدد شكل الدولة الليبية الجديدة ونظمها السياسية والاقتصادية، ويضع قواعد المساواة والعدالة والتعايش بين الليبيين، ويضمن احترام حقوق المواطنين وحرياتهم، ويحدد بوضوح مسؤولية الدولة تجاه المجتمع.

ويجب أن يقوم هذا المشروع على بناء دولة قادرة على تمويل الخدمات العامة الضرورية، وتقديمها بصورة عادلة ومتساوية للجميع، وفي أولها التعليم والصحة، ورعاية العجزة والمسنين والقُصَّر، إضافة إلى توفير الأمن، وتحسين البنية التحتية، وتنويع مصادر الاقتصاد، واستثمار الثروات الوطنية بما يخدم الأجيال الحالية والقادمة، ومن ثم يصار إلى البحث في آليات عمل وطنية تؤدي إلى كفاح جماعي من أجل انتزاع حق تقرير المصير، وبناء دولة مستقلة، القرار فيها بيد الشعب، وقادرة على حماية مصالح شعبها وثرواته، بعيدًا عن الوصاية والتدخلات الخارجية، وبعيدًا عن حالة الانقسام التي أضعفت المجتمع والدولة معًا.

إن الطريق إلى الخروج من الأزمة لن يكون سهلًا، لكنه يبدأ بخطوة واضحة، أن يدرك الليبيون أن مستقبل بلادهم لا يمكن أن يُبنى بالانتظار، ولا بالأوهام، ولا بالحلول المؤقتة، وإنما بالإرادة والعمل والتنظيم وامتلاك رؤية وطنية واضحة، فالأوطان لا تُنقذ بالأحلام والآمال فقط، وإنما تُنقذ حين يمتلك أبناؤها الشجاعة للنظر إلى الواقع كما هو، ثم العمل على تغييره بكل الوسائل المتاحة، ولنترك جانبًا السؤال الذي بدأ يتردد على ألسنة الكثيرين: “كيف يصير فيها البليدة، هل من أمل؟”.

زر الذهاب إلى الأعلى