مقالات الرأي

صناعة سلوك القطيع بين السياسة والإعلام



محمد عبدالقادر

كيف تدار العقول الجماعية؟ نعتقد أن طرح هذا السؤال في هذا المقام مهم جدًّا لتناول هذا الجانب المهم جدًّا في إدارة عقول الناس، حيث تحولت الخوارزميات الرقمية إلى “الذراع التقني” للسياسة والإعلام، ولم يعد بالإمكان فصل أحدهما عن الآخر.

السياسة والشركات الاحتكارية الكبرى ترسم الأجندة، والإعلام والخوارزميات يغلفانها بقالب عاطفي يستدرج السلوك البشري.

لكي نربط الخيوط ببعضها ونرى كيف تعمل هذه المنظومة المتكاملة على الأرض، دعنا نفكك “دورة حياة صناعة القطيع الرقمي والسياسي” عبر ثلاث محطات أساسية:

 الأولى: تشكيل البيئة السياسية (صناعة الأزمة أو العدو) كل قطيع يحتاج إلى شعور بالانتماء، والانتماء غالبًا ما يترسخ بوجودٍ “خارج الإطار” أو “عدو مشترك”.

كيف يتم ذلك؟

لا تبدأ السياسة الحديثة بفرض الأوامر، بل بهندسة الإدراك.

حيث يتم تضخيم قضايا معينة أو اختلاق أزمات (اقتصادية، أمنية، أو ثقافية) لتوليد حالة من الخوف أو الغضب صياغة وفكرًا لهندسة الوهم: كيف تسوق السلطة والشركات ــ وهما مكون واحد، فالسلطة تعبر عن الشركات والشركات تصنع السلطة ــ عقلية القطيع في العصر الرقمي؟

يواجه الإنسان المعاصر الوهم الأكبر في تاريخ البشرية: الاعتقاد بأنه يمارس حريته المطلقة في التفكير والاختيار، بينما هو في الواقع “مُساق” بدقة متناهية نحو وجهات مرسومة مسبقًا.

إن تطابق ردود الفعل والاستقطاب الحاد ليسا وليدي الصدفة، بل هما نتاج منظومة متكاملة تقاطعت فيها الهندسة السياسية، والرأسمالية الاحتكارية، والخوارزميات الرقمية لتوجيه عقلية القطيع عن بعد، بينما يظن الفرد أنه يتصرف وفق تفكيره الذاتي.

الأساس النفسي للحشد وتحطيم العقل الفردي لفهم انقياد الجماهير، لابد من العودة إلى حجر الأساس في سيكولوجية الحشود؛ بمصطلح غوستاف لويون في كتابه “سيكولوجية الجماهير”، الذي يوضح أن الفرد حين ينصهر داخل الحشد أو “القطيع” يفقد بالتدريج عقله الواعي والمنطقي، ليحل محله العقل الجمعي المسيطر بالعاطفة والعدوى النفسية وتتضخم غرائزه.

وهذا ما يلتقي عميقًا مع تساؤل “إتيان دي لا بوئيسي” المدهش في مفهوم “العبودية الطوعية”:

كيف يرضى ملايين البشر بالخضوع والاستعباد لولا أنهم تعرضوا وفق بنية منظومة نفسية وثقافية تجعل الطاعة أمرًا طبيعيًّا؟ هذا الاستعداد النفسي هو التربة الخصبة التي تستغلها السلطة والطبقة المهيمنة والمحتكرة لكل شيء يخدم مصالحها.

الإدراك وصناعة الأزمات

لا تعتمد السياسة الحديثة على الإكراه المباشر، بل على “هندسة الإدراك”. وكما يفكك نعوم تشومسكي وإدوارد هيرمان في كتابهما “صناعة الموافقة”، تستخدم الحكومات والشركات الكبرى مرشحات إعلامية لفرض أجندات سياسية تبدو كأنها نابعة من الشعب بعفويتها، بينما هي مصطنعة بالكامل.

تبدأ العملية بخلق أو تضخيم أزمات لتوليد حالة من الخوف والغوَر الجمعي. والخوف هو أقصر طريق لإلغاء التفكير النقدي، حيث يتخلى الفرد عن استقلاليته ويلتصق بالقطيع بحثًا عن الأمان الوهمي، مستحضرًا رؤى ميكيافيلي في كتابه “الأمير” حول كيفية توجيه غرائز العامة بين الخوف والطاعة لخدمة أهداف صانع القرار.

فالذراع التقني وغرف الصدى تؤكد على حقيقة أن السياسة هي من تضع الأهداف، فقد وفر العصر الرقمي الأدوات الأكثر دهاءً لتنفيذها.

ففي كتابها المِفْصلي “رأسمالية المراقبة”، تشرح شوشانا زوبوف كيف تُحَوِّل شركات التكنولوجيا الكبرى السلوك البشري إلى مادة خام للتنبؤ والتحكم مضمون كتابها “عصر رأسمالية المراقبة”.

من كل ما تقدم من نصوص مستقاة من كتب تشير إلى أن المنصات تعمل وفق “اقتصاد الانتباه” لتأجيج المشاعر المتطرفة والاستقطاب لأنهما يحققان تفاعلًا أعلى.

ونتيجة لذلك، تُعزل الجماهير داخل “غُرفِ صدىً” لا تريهم سوى ما يؤكد قناعاتهم، ليتوقف الدماغ عن البحث عن الحقيقة مكتفيًا بالتحيز التأكيدي، مستعدًا لمهاجمة أي صوت يخرج عن طاعة القطيع دفاعًا عن هوية رقمية صممتها له تلك المنصات.

لنأتي للحصاد السلوكي والوهم المطلق لنؤكد على أن الهدف النهائي ليس النقاش أو التسلية، بل توجيه السلوك الفعلي؛ سواء الحماس الأعمى لمرشح سياسي أو الهلع الاستهلاكي لمنتج تروجه الشركات الاحتكارية.

وهنا تكمن المفارقة المأساوية: حيث يشعر الفرد بأنه يمارس حريته المطلقة واختياره الواعي، بينما هو ينفذ سيناريو مرسومًا بدقة عبر تلاعب ممنهج بمشاعره ومخاوفه.

إن سياسة القطيع ليست عقوبة تُفرض قسرًا، بل هي قفص زجاجي ذهبي يختار الإنسان دخوله بمحض إرادته المزيفة. وإن وعي الفرد بهذه الخيوط الخفية وتفكيك آلياتها هو خط الدفاع الأول لكسر هذه الحلقة المفرغة، واستعادة السيطرة الحقيقية على عقله وقراره المستقل.

زر الذهاب إلى الأعلى