مقالات الرأي

الوظيفة.. تكليف ومسؤولية


بقلم / غادة الصيد
في مفهوم الوظيفة العامة، لا ينبغي أن تختزل العلاقة الوظيفية في مجرد الحضور إلى مقر العمل أو تسجيل الدخول والانصراف، أو قضاء عدد محدد من الساعات خلف المكتب، فالوظيفة في جوهرها اختصاص وواجب ومسؤولية وتكليف، والحضور ليس إلا أحد متطلبات الانتظام في العمل، وليس الغاية التي أنشئت الوظيفة من أجلها، وقد جاء قانون علاقات العمل الليبي رقم (12) لسنة 2010 ليضع إطارًا واضحًا لهذه العلاقة، ويحدد للموظف حقوقه وواجباته، فلم يجعل من الحضور وحده معيارًا لإداء الوظيفة، وإنما ربط وجود الموظف في وقت العمل بأداء المهام والواجبات المنوطة به، فقد أوجبت المادة (11) من القانون على العامل أو الموظف تنفيذ أحكام القوانين واللوائح والتعليمات المنظمة لقيامه بمهام عمله، كما ألزمت الموظف بأن (يقوم بالعمل المسند إليه بنفسه، وأن يؤديه بدقة وأمانة، وأن يخصص وقت العمل الرسمي لأداء عمله).
وهنا تكمن المسألة في جوهرها، فالمشرع لم يقل إن واجب الموظف ينتهي بمجرد حضوره إلى مقر العمل، وإنما أوجب عليه أن يخصص وقت العمل الرسمي لأداء عمله، أي أن الحضور وسيلة لمباشرة العمل، وليس بديلًا عن العمل، فالدوام التزام زمني، أما أداء الوظيفة فهو التزام وظيفي، وكلاهما مطلوب، ولا يغني أحدهما عن الآخر، ويزداد الأمر وضوحًا عندما يتعلق الأمر بالوظيفة العامة، إذ جاءت المادة (122)، من قانون علاقات العمل بنص صريح عندما قررت أن (الوظيفة العامة تكليف للقائمين بها)، وأن عليهم أن يؤدوا أعمالهم (بكل جد وإتقان). وأن يكون رائدهم في القيام بأعمالهم خدمة المواطنين وتحقيق، المصلحة العامة، كما نظمت المادة (13) ساعات العمل وحددت لها ضوابطها القانونية، كما نظم المشرع فترات الراحة والعمل الإضافي. وغيرها من المسائل المرتبطة بالدوام، وفي المقابل فإن سلطة جهة العمل في التكليف ليست سلطة مطلقة، وإنما يجب أن تمارس في حدود القانون واللوائح والاختصاصات المقررة، وهو ما يحقق التوازن بين سلطة الإدارة وحقوق الموظف، فلا يجوز للموظف أن يتنصل من واجباته الوظيفية دون سند، كما لا يجوز للإدارة أن تجعل من سلطة التكليف وسيلة للخروج على القانون أو تجاوز الاختصاص.
وفي النهاية فإن احترام الوظيفة العامة يبدأ عندما ندرك أن الموظف لا يطلب منه أن يكون موجودًا فقط، بل أن يكون ملتزمًا بأداء مهامه في حدود اختصاصه، أمينًا في أداء واجبه، ملتزمًا بالقانون، وحريصًا على المصلحة العامة، ومدركًا أن الوظيفة التي يشغلها ليست ملكًا له، وإنما أمانة وتكليف ومسؤولية.

زر الذهاب إلى الأعلى