مقالات الرأي

ليبيا.. بين جنة الوهم ووهم الجنة


بقلم /أبو صاع زامونة

نحن مقبلون على مجاعة، ليست كعام الشر، بل أشد وطأة وأكثر إيلامًا وبشاعة. سينهار كل ما هو آيل للانهيار، ويبتلع الليل النهار، وتحل علينا سنون ختَّالة خدَّاعة، ستسحق الجموع، وتنطفئ الشموع، ولن يبقَى أمامها سوى لعن الظلام في كل يوم وكل ساعة.

ستقرع الأجراس، وتحبس الأنفاس، ويُعلن الإفلاس بكل صفاقة ونجاعة. من كان لديه دينار، فليربت عليه ولا يفارقه من باب البر، لأن أيامه معدودة وأنفاسه محدودة، ولن ينفع مع القدر حذر ولا شفاعة.

الويل ثم الويل لكل جاهل متحذلق يبيع الوهم للناس بدعوى التفاؤل، وما أسوأها من بضاعة. المتفائل مثله كمثل المسؤول العاصي الفاسد، الغارق في المنكرات، والمستفيد من الأزمات، ويمارس هوايته من تحت «الشمال» بالرضاعة.

إرهاصات الانهيار تتراقص كحشرة الضوء أمام ناظريكم كل برهة، «فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور»، والتي ليس لها مع الفهم استطاعة. «أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها».

فالخطوب في رابعة النهار العربي قد لا نراها كما هي، بل نراها كما نحن؛ لأننا اعتدنا وتعودنا على الخنوع والانقياد والضراعة.

سيتم «تهويد» الهوية لتتلاشى وتندثر الأمة الليبية وفقًا لمعيار الأغلبية والأقلية. فلا تهنوا ولا تحزنوا ولا تجزعوا، ستشرب الأرض ماءها، ولن يكون هناك كفاح أو نضال، أو حتى قضية؛ لأن الخرق اتسع على الراتق، وتمكنت الذئاب من الراعي والرعية.

فانتظروا، وإني معكم من المنتظرين. وهذا استقراء سياسي واقتصادي واجتماعي، وليس نصًّا شعريًّا أو نثريًّا أو سجعًا.

ستتم «علمنة» هذه الرقعة الجغرافية المهترئة ذات المذهب المالكي الوسطي، الذي أصبح من التاريخ مع استفحال المذاهب، ولن نميز بعد اليوم من هو آتٍ ممن هو ذاهب: هذا شيخ، وهذا قس، وذاك راهب، ومن يحيد عن جادة الصواب في الموروث كان يُطبّب «بالكي على القبّاعة».

قوانين الأحوال الشخصية ستنهار هي الأخرى، وهذا ارتداد طبيعي للانهيار الكبير والشر المستطير القادم من فوهات المجارير، موسّمًا بشعارات النصر والتحرير، داعيًا إلى العهر والفسق والفجور والخلاعة.

ستتوارى وتختفي إلى غير رجعة صورة المرأة التي عهدناها، والتي تتصف بالعفة والطهر والستر والحياء، وتحل محلها المرأة الحرة المستقلة السافرة، التي تبحث عن ضالتها في ردهات المنظمات المخابراتية، وتنسلخ من المواثيق والعهود وعادات الجدود، وتحطم الأصفاد التي وضعها المجتمع المعاق وكبّل معصميها.

ولن تحظى أيها الأب والأخ والزوج من محارمك بعد الثامنة عشرة بسمع ولا طاعة.

هذه ليست تجليات ما بعد منتصف الليل، إنما هي عزف على أوتار الحقيقة التي طالما ارتبطت بالألم والوجع، ولكن منكريها كثر؛ الحمق ديدنهم، وما يجهلونه عدوهم، ولهم في ذلك حجج وآراء وقناعة.

لا تنتظروا المعجزات، فزمن المعجزات قد ولّى، وقدرة الله فوق كل قدرة، ورحماته تنساب علينا وتتجلَّى. وأداء الواجب هو حتمية المسير، دون تطبير ولا تبتير، لترميم المرمَّم، وتهذيب المهذَّب، ودرء الدياجير عن الوطن المستجير بالكلمة.

ولعمري، إن الكلمة أشد إيْجاعًا من شفرات الجنازير؛ فالأوطان تسقط وتتهاوى بالسلبية والوضاعة، وتنهض وتتعافى باليقين والشجاعة.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى