سدنة الأصنام وصناعة الانقسام

بقلم / محمد جبريل
الأصنام السياسية منظومة أفكار ومفاهيم وقناعات تنشأ لتكتسب سلطة على تفكير الأفراد والجماعات وسلوكهم.
الصنم يمر بمراحل؛ يبدأ بفكرة، ثم تكتسب القدسية فوق النقد والنقاش، ويصبح نقدها تهديدًا لمعتنقيها.
الأزمة الليبية وليدة أصنام، سنعدد منها تسعة، هي:
1- صنم الكرسي والمال العام
فأصبح الوصول إلى المنصب غاية لنهب المال العام، وغنيمة تتنافس عليها الجماعات والأفراد، على حساب التنمية والخدمات، ومستقبل الأجيال.
2- صنم التيار السياسي
الانتماء إليها غالبًا فوق المصلحة الوطنية، ممكن تمييز أربعة تيارات سياسية:
أولها ديسمبر الذي نعيشه اليوم برايته ونشيده، ومراكز القوة داخله، وفساده واستغلاله واحتكاره وطبقيته، وبطالته وفقره ومرضه وتردي خدماته، وتغول القطاع الخاص وملكيته للمصارف والأراضي ووسائل الإنتاج، واحتلال الأجانب للنفط، والقواعد والتبعية للخارج وحكم السفارات، ودعم قوة تنافس الجيش، فالميليشيات المسلحة نسخة جديدة من القوة المتحركة.
أما فبراير، فباقية فقط في عقول قادة التنظيمات الإسلاموية.
وبينهما تيار سبتمبر، الذي لن يعود بشخوصه وقياداته أو هياكله، ولكن متبقى الحنين إلى مشروعه في الأمن والحرية والنزاهة والتنمية والعدالة الاجتماعية، والسيادة الوطنية والكرامة الإنسانية، كثيرون يتطلعون لثورة الكرامة لتحقق لهم هذه الأماني.
التيار السياسي الوطني، ينبذ التعصب والفكر الجامد، ولا يحوِّل الخلاف السياسي إلى صراع وجودي، ولا يخاف من تداول السلطة.
3- صنم المحسوبية والقبلية والجهوية والامتيازات
أصبحت معيارًا للعدالة والحماية وتوزيع الموارد، وتحولت الجغرافيا إلى حكم أخلاقي وسياسي؛ هذا من المدينة الفلانية، ولذلك فهو كذا.
4- صنم الشعوبية والانفصالية
ليبيا لن تستقر إلا كدولة واحدة غير مركزية، تتوزع فيها الموارد بعدالة، متعاونة مع فضاءاتها العربية والإسلامية والأفريقية.
5- صنم اليأس والصمت
اليأس، فعندما يقتنع المواطن بأن الفساد والانقسام قدر لا يمكن تغييره، فيصبح همه النجاة الفردية، ويتحول من محاولة تغيير الواقع إلى التكيف معه، فتسود ثقافة تسمح بإعادة إنتاج الفساد، حيث ينظر للفساد على أنه “شطارة”، والمحسوبية “رجولة”، والكذب “سياسة”، والفوضى “واقعية”.
الإنسان الصامت لا يسأل، ولا ينتقد، ولا يعترض، ولا يبلِّغ عن الخطأ، ولا يدافع عن الحقيقة.
6- صنم الشائعة
عندما تكون المعلومة المتداولة أقوى من الحقيقة الموثقة، الشائعة تسير على رجلي الغموض والأهمية، وتصنع مواقف سياسية واجتماعية، فتشيطن الأشخاص أو تؤلههم، وتخلق عداوة بين الجماعات.
7- صنم الماضي والمظلومية والثأر والانتقام
هناك فرق بين احترام التاريخ والعيش فيه، فعندما يصبح الماضي معيارًا دائمًا للحكم على الناس، وتتحول معاناة جماعة أو منطقة إلى هوية دائمة للصراع؛ تُستخدم لتبرير الإقصاء أو طلب الامتيازات، وعندما تصبح الرغبة في الثأر والانتقام أقوى من الرغبة في المصالحة وبناء المستقبل، فإن الجريمة تنتج جريمة أخرى، والضحية تنتج ضحايا جددًا.
ولا يمكن كسر دائرة الثأر إلا بالاعتراف بالمظالم، وإحلال المصالحة والعدالة محل الرغبة في تصفية الحسابات والتشفي.
العاقل لا يمحو الماضي، ولا يطلب من الناس أن ينسوا آلامهم، لكنه يحوِّل التاريخ إلى ذاكرة للتعلم، لا إلى سلاح للانتقام.
8- صنم الانقسام
الانقسام ليس مجرد أزمة نريد حلها، بل إن بقاءه يرتبط بمصالح لأفراد وجماعات، لأن الدولة الموحدة تعني مؤسسات موحدة، وقواعد موحدة، ورقابة أقوى، (فمن يذبح الدجاجة التي تبيض ذهبًا).
9- صنم الاعتماد على الخارج
أن يُنظر إلى الخارج باعتباره مصدر الحل الوحيد، وتغيب الثقة بالقدرة على إنتاج الحل محليًّا، فيظل الوطن أسيرًا للصراعات الخارجية.
للأصنام “سدنة”، فالصنم يحتاج إلى مستفيد منه، يعبده ويحرسه ويدافع عنه، ويقنع الآخرين بالخضوع له، ولهذا وجب مواجهة شبكات المصالح التي تحمي الأصنام.
تحطيم الأصنام يحتاج إلى دولة قانون عادلة، تقوم بإصلاح الثقافة السياسية والاجتماعية، على أساس حرية التفكير، وقبول الاختلاف، واحترام القانون، وإعادة الاعتبار للمواطنة والمؤسسة، وتحويل الولاءات الجزئية إلى روافد للوطن الموحد.
التعليم هو خط الدفاع الأول ضد الصنمية، فينبغي أن تتضمن مناهج التربية: التفكير النقدي، والحوار، وقبول الاختلاف، واحترام الدليل، والعمل الجماعي، والمواطنة.
كما نحتاج لإعلام مهني يستطيع قول الحقيقة دون خوف من السلطة أو المال أو الجماعة، ونحتاج لخطاب ديني تنويري عصري، خالٍ من الخرافات، أو التملق للسلاطين، أو توظيف الدين في السياسية، أو تبرير الظلم الاجتماعي.
ليبيا لا تحتاج لمؤسسات جديدة بقدر حاجتها إلى عقلية مؤسسية جديدة. فالمعركة الحقيقية مع العقلية التي تعيد إنتاج الانقسام؛ فتشكيل حكومة، وتوحيد المؤسسات، وإجراء انتخابات، وصياغة دستور، كلها خطوات ضرورية، لكنها لن تكفي إذا ظل العقل الليبي أسيرًا للأفكار المغلقة، فليس المهم تغيير من يحكم ليبيا، وإنما المهم تغيير الطريقة التي ننظر بها الى الوطن والمواطن والمستقبل.
نريد مواطنًا ينتمي لقبيلته، ولا يجعلها فوق وطنه؛ ويعتز بمنطقته، ولا يعادي المناطق الأخرى؛ وينتمي لتياره السياسي، ولا يفرض رؤيته على الآخرين؛ ويحترم قائده، ولا يقدسه؛ ويعتز بتاريخه، ولا يعيش فيه؛ ويطالب بحقه، ولا يبرر الظلم للآخرين؛ ويختلف مع خصمه، ولا يحوله إلى عدو، فننتقل من مجتمع الأصنام إلى مجتمع المواطنة، ومن الشخص إلى المؤسسة، ومن الجماعة إلى الدولة، ومن الماضي إلى المستقبل، ومن اليأس إلى المواجهة، ومن الشائعة إلى الحقيقة، ومن الثأر إلى العدالة، ومن الانقسام إلى الوحدة الوطنية.
فإذا لم نحطم الأصنام، فسنبقى نبني مؤسسات جديدة بعقول قديمة، وسنعيد إنتاج الأزمة.
المصالحة السياسية ليست توقيع اتفاق بين أطراف متخاصمة، وإنما المصالحة مع فكرة الوطن الواحد، والمال العام المصون، ومنع تحول الماضي إلى سجن للأجيال الجديدة.
