مقالات الرأي

من جبل الشيخ!!


لم يعد المشهد يحتاج إلى كثير من التأويل، فأن يقف “بنيامين نتنياهو” اليوم على قمة جبل الشيخ في الجنوب السوري، على مرمى قريب من دمشق، متباهيًا بسطوة جيشه ومشروعه التوسعي، فذلك ليس مجرد استعراض انتخابي لرئيس حكومة مأزوم، ولا صورة دعائية عشية انتخابات الكنيست، بل صورة تختزل تحولًا خطيرًا في موازين المنطقة.

من غزة التي تنزف تحت القصف، إلى جنوب لبنان الذي يواجه التهديد والاحتلال، ومن إيران التي دخلت مواجهة مفتوحة مع المشروع الصهيوني الأمريكي، إلى سوريا التي باتت أراضيها مسرحًا للوجود الإسرائيلي، تتقدم إسرائيل خطوة بعد أخرى، بينما يتراجع الموقف العربي من المواجهة إلى الصمت، ومن الدفاع عن الحقوق إلى بيانات الإدانة، ومن التضامن إلى التطبيع، حتى أصبح الاحتلال يتحرك في قلب الجغرافيا العربية وكأنه صاحب الأرض والقرار.

إن أخطر ما في المشهد ليس فقط ما يفعله الكيان، بل ما أصبح العرب عاجزين عن فعله، فالأمة التي كانت تتحدث عن الأمن القومي العربي والدفاع المشترك، تجد نفسها اليوم أمام مشروع يعلن طموحه إلى “إسرائيل الكبرى”، فيما تتعامل عواصم عربية مع الخطر باعتباره شأنًا يخص الآخرين.

زيارة نتنياهو لجبل الشيخ تحمل رسالة واضحة: الفراغ العربي لا يبقى فراغًا، بل تملؤه القوة المعادية، وكل أرض تتخلى عنها الإرادة الوطنية تصبح مساحة جديدة للتمدد والاحتلال.

المعركة إذن ليست على جبل الشيخ وحده، ولا على غزة أو جنوب لبنان أو سوريا؛ إنها معركة على مستقبل المنطقة وهويتها وسيادتها، وما لم تستعد الأمة إرادتها، وتعِد بناء تضامنها وقوتها، فإن السؤال لن يكون: أين ستتوقف إسرائيل؟ بل: أين سنستيقظ؟

إن الصهيونية لا تتقدم لأنها أقوى من العرب، بل لأنها وجدت أمة تخلت عن قوتها، وأنظمة تخلت عن واجبها، وقيادات استبدلت المقاومة بالتطبيع. ومن جبل الشيخ إلى دمشق، يكتب نتنياهو فصول مشروع إسرائيل الكبرى، بينما المطلوب عربيًّا ليس المزيد من بيانات الشجب، بل استعادة الإرادة والكرامة والسيادة قبل أن يصبح الاحتلال واقعًا يمتد من أرض عربية إلى أخرى.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى