معركة الوعي بين السيادة والتبعية

بقلم / المهدي الفهري
عندما يفقد المجتمع قدرته على إنتاج معاييره الذاتية في العمل والتفكير تتفكك عراه الاجتماعية، ويتحول من مجتمع فاعل في التاريخ إلى مجتمع مستهلك لما يفعله الآخرون من خلال الاستعداد النفسي والذهني لتقبل أفكارهم وثقافتهم وسط إحساس داخلي بالضعف يجعله يشعر بالخنوع والخضوع والعجز عن إدارة شؤونه، ويظل يتردد ويراوح أمام أبسط الأمور، وقد تغيرت مظاهر التبعية من زمن الاستعمار المباشر وارتباطها بالقوة السياسية والعسكرية والاقتصادية إلى أنماط أكثر عمقًا وتعقيدًا، كالتبعية الفكرية والثقافية، باعتبارها نمطًا آخر من الاستعمار وما يتبعها من تغير في النماذج والمفاهيم، ومع أنها قد لا تظهر دائمًا في صورة ضعف أو وهن، بل ربما تتحقق وتتبلور في صورة إعجاب وانبهار شديد لما ينتجه الآخرون، لا سيما عندما يصبح الآخر هو المثل الأعلى والمرجع النهائي في تعريف معنى التقدم والتطور والحداثة، وعندئذ يبدأ المجتمع في فقد جزء كبير من ثقته في نفسه ومن قدرته على اتباع رؤيته الخاصة به.
إن الاستقلال السياسي لا يكتمل باسترجاع السيادة السياسية فقط، ولا يعني بالضرورة الاكتمال الحضاري ووصول الأمة إلى حالة من التوازن والنضج الشامل في جميع مناحي الحياة، فقد يمتلك المجتمع دولته ومؤسساته ورموزه الوطنية، بينما يبقى عاجزًا عن إنتاج النموذج الذي يناسبه في الشكل والوسيلة والأداء، وقد يعيش الإنسان ضمن وفرة من المعلومات، ولكن ذلك لا يعني وفرة في الأفكار، ويتكرر الشأن نفسه فيما يتعلق بالوفرة المعرفية، فهي ليست دليلًا على القدرة لإنتاج الرؤى واستنباط الحلول، وإن أحيطت بكمٍّ هائل من المعلومات ما لم يتم تحويلها إلى مشروع وترجمتها على الواقع، لأن التقدم يحتاج إلى عقل مبدع متحرر من العُقد وقادر على استيعاب الماضي وإعادة بنائه داخل شروط الحاضر واستشراف المستقبل.
وما ينبغي طرحه اليوم ليس تجاوز الماضي، وإنما تحويله إلى طاقة للعمل والعطاء والوقوف في مواجهة عقليات تستعيد الماضي دون أن تنتج للمستقبل، وتتعامل مع الموروث كقوالب لحلول جاهزة بدل أن تجعل منه مصدرًا لإعادة التفكير وطرح الأسئلة الجديدة، ورغم أن الموروث ذاته لا يصبح قوة حضارية بمجرد حفظه، بل في مدى تحوله إلى إبداع، وفي مدى توظيفه لصناعة الإنسان والمجتمع والتاريخ ومساهمته في المحافظة على الهوية والتحرر من حالة الجمود الفكري، حيث إن تقدم المجتمعات لا يكمن في امتلاكها تراثًا عظيمًا، ولا يتأخر بسبب القطيعة معه، بل في ألَّا يتحول الاستعمار في شكله الجديد وأدواته المعرفية الحديثة إلى مبرر وتفسير أبدي للعجز، ويفتح الأبواب لاستهلاك واستيراد الأفكار دون تمحيص، أو استنساخ نماذج دون فهم شروطها التاريخية والاجتماعية، وهنا يصبح المفهوم أداة لفهم الحاضر، لا مجرد فهم لمرحلة تاريخية معينة، وهذا ما يحتم علينا التعامل مع الحضارة بحذر بوصفها خبرة إنسانية ومحصلة للجهد البشري وتفاعله مع بيئته وتراكم معرفي واجتماعي طويل المدى وأهمية الاستفادة منه دون الذوبان فيه وألَّا ينقلب الانفتاح وتبادل المصالح إلى تبعية كما هو حاصل لدينا وكما نراه في عدد كبير من الدول، فالمسألة ليست في التعلم من الآخرين، بل في القدرة على التمييز بين الانتفاع والتبعية، والحضارة لا تبنى بالعزلة، ولكنها لا تبنى أيضًا بإلغاء الذات، إنها معركة وعي ومعركة إرادات، وحتى جينات بين أن تكون سيدًا أو أن تكون تابعًا، والأمم العظيمة لا تنهض حين تقلد غيرها، وإنما تنهض حينما تتعلم من غيرها ثم تعود أقوى وأكثر قدرة ووعيًا على اختيار مسارها وصنع مستقبلها بأيديها، وبإعادة إنتاج ذاتها، وبالعقل والعلم والثقافة، وبتقدير رموزها الفكرية والمعرفية، وفي اعتمادها على نفسها قبل اعتمادها على الغير.
