مقالات الرأي

الحلم الكبير



بقلم/ فرج بوخروبة

ليبيا التي في الخاطر ليست تلك التي نختلف عليها كل يوم، ولا تلك التي تظهر في نشرات الأخبار مثقلةً بأسماء الأزمات والخصومات والانقسامات. ليبيا التي في الخاطر شيء آخر؛ صورة تسكن في وجدان الليبي منذ أن عرف معنى الوطن، وتكبر معه كلما ضاقت به الأيام. هي ليبيا التي يريدها الليبي حين يتعب من الانتظار، وحين ينظر إلى أبنائه فيتساءل: أي بلد سنترك لهم؟

الليبي لا يحلم ببلد خارق للعادة، ولا يطلب وطنًا من ذهب؛ يريد وطنًا يشبه كرامته، دولة لا يشعر فيها أن مستقبله معلق بمزاج السياسة، ولا أن حقه رهينة واسطة أو نفوذ. يريد ليبيا التي يكون فيها الوطن أكبر من الأشخاص، والدولة أبقى من الحكومات، والقانون أقوى من الجميع.

ولعل أول ما نحتاجه اليوم ليس الثروة، فقد أعطتنا الجغرافيا ما يكفي، ولا التاريخ، فقد ترك لنا من الذاكرة ما يذكرنا بأن هذا البلد لم يكن يومًا بلا قدرة على النهوض. ما نحتاجه هو أن نستعيد فكرة الدولة في معناها البسيط والعميق: أن يعرف المواطن أين تبدأ حقوقه وأين تنتهي سلطة غيره، وأن يعرف المسؤول أن المنصب تكليف لا غنيمة، وأن المال العام ليس مالًا بلا صاحب.

السيادة ليست مجرد علم يرفرف فوق مبنى حكومي، ولا خطابًا يقال أمام الكاميرات. السيادة أن يكون القرار الليبي نابعًا من المصلحة الليبية، وأن تستطيع الدولة أن تتحدث مع العالم من موقع الندية لا التبعية، وأن تعرف متى تصادق ومتى تختلف، ومتى تقول نعم ومتى تقول لا، من دون أن تفقد بوصلتها أو كرامتها. وطن بهذه المساحة وهذا الموقع لا يليق به أن يكون هامشًا في حسابات الآخرين، ولا ساحة مفتوحة لصراعات لا تخص أبناءه.

لكن السيادة لا تحرسها الأمنيات. تحتاج إلى دولة تمتلك مؤسسات أمنية وعسكرية موحدة، عقيدتها الأولى حماية الوطن لا حماية الأشخاص، وتحفظ الحدود كما تحفظ كرامة المواطن، وتعيد إلى الشارع ذلك الشعور البسيط الذي فقدناه طويلًا: أن القانون موجود، وأن اليد التي تحميك هي نفسها التي تمنع الظلم عنك. فالأمن ليس أن يخاف المواطن من الدولة؛ الأمن أن يطمئن إليها.

ثم يأتي السؤال الذي يبدو بسيطًا، لكنه يمسُّ جوهر المستقبل: لماذا يعيش بلد بهذه الثروة كل هذه المعاناة؟

ليبيا ليست فقيرة، لكن سوء إدارة الغنى قد يكون أحيانًا أقسى من الفقر نفسه. النفط نعمة، لكنه لا ينبغي أن يكون قدرنا الوحيد. والثروة التي لا تتحول إلى تعليم جيد، ومستشفيات محترمة، وطرق وموانئ ومطارات، ومزارع ومصانع وفرص عمل، تظل رقمًا كبيرًا لا يشعر به المواطن إلا حين يسمع عنه في الأخبار.

نحن بحاجة إلى أن نخرج من عقلية الدولة التي تبيع موردًا واحدًا ثم تشتري به حاجات شعبها، إلى دولة تنتج وتزرع وتصنع وتتعلم وتبتكر. أن نعيد الاعتبار للزراعة، وأن ننظر إلى الصحراء لا باعتبارها فراغًا على الخريطة، بل مساحة يمكن أن تصبح جزءًا من اقتصاد جديد، وأن نرى في البحر بوابة للتجارة والاستثمار والسياحة، وفي موقع ليبيا بين إفريقيا وأوروبا فرصة تاريخية. وأن ندرك أن الشمس التي تمنحنا ضوءها بلا فاتورة يمكن أن تكون جزءًا من مستقبل الطاقة.

غير أن كل ذلك سيظل مؤجلًا ما دام الفساد قادرًا على ابتلاع ما تبنيه الدولة بيدها الأخرى. الفساد ليس مجرد أموال تُسرق؛ إنه تعليم للناس أن الكفاءة أقل قيمة من الواسطة، وأن القانون يمكن الالتفاف عليه. لذلك فإن محاربة الفساد ليست ترفًا إداريًّا، بل معركة لاستعادة ثقة المواطن في بلده.

وفي قلب هذا كله يبقى الإنسان الليبي؛ ذلك الذي أتعبته السنوات، لكنه لم يفقد قدرته على الضحك، ولا شهيته للحياة، ولا تعلقه بأرضه وأهله. ليبيا لن تُبنى فقط بالطرق والموانئ ومحطات الكهرباء، بل بالإنسان الذي يشعر أن بلده يريده، وأن مستقبله لا يحتاج إلى أن يهاجر كي يصبح له مستقبل.

ولهذا فإن المصالحة التي نحتاجها ليست حفلًا سياسيًّا ولا صورة جماعية أمام الكاميرات. المصالحة الحقيقية تبدأ حين يتوقف الليبي عن النظر إلى أخيه باعتباره امتدادًا لمعركة قديمة، وحين تصبح العدالة جسرًا إلى المستقبل لا سكينًا لمواصلة الماضي. لا نستطيع أن نمحو ما حدث، ولا ينبغي أن نفعل، لكننا نستطيع أن نضعه في مكانه الصحيح من الذاكرة، ثم نقرر ألا نسمح له بأن يحكم بقية حياتنا.

ليبيا أكبر من خلافات أبنائها، وأوسع من خرائط نفوذهم، وأبقى من كل الأسماء التي تصدرت المشهد ثم غابت. ومن طرابلس إلى بنغازي، ومن مصراتة إلى سبها، ومن الجبل إلى الواحات والساحل والصحراء، يعيش وطن واحد مهما حاولت السنوات أن تقنعنا بغير ذلك. وطن متعدد الوجوه والعادات، لكنه حين يتعلق الأمر بالأرض والكرامة والمستقبل، يعرف أنه شيء واحد.

ليس من المبالغة أن نحلم بليبيا تصبح مركزًا يصل إفريقيا بأوروبا، وبلدًا يجد فيه المستثمر الأمن والقانون قبل أن يجد النفط، وجامعات تستعيد مكانتها، ومدنًا تستعيد جمالها، وشبابًا لا يرى مستقبله في مطار المغادرة، بل في المشروع الذي يستطيع أن يبدأه هنا. لدينا الموقع والثروة والمساحة والشباب والتاريخ؛ وما ينقصنا في النهاية ليس المعجزة، بل الإرادة التي تحسن ترتيب الأولويات، والدولة التي تعرف كيف تحول الإمكان إلى إنجاز.

قد يبدو هذا الحلم بعيدًا حين ننظر إلى المشهد من ضيق اللحظة، لكن الأمم لا تُبنى بما تراه في يومها الأسوأ، بل بما تصر على أن تراه في يومها الأفضل.

تلك هي ليبيا التي في الخاطر؛ لا ليبيا المستحيلة، بل ليبيا الممكنة حين يصبح الوطن أخيرًا أكبر من الصراع، والدولة أقوى من الأشخاص، والمستقبل أغلى من الماضي.

ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله لهذا الحلم ألا نكتفي بأن نتغنى به. بل أن نبدأ ببنائه.

ليبيا.. بين جنة الوهم ووهم الجنة.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى