مقالات الرأي

حين تبحث الدولة عن نفسها في ثوب ممزق



بقلم / محمد بوخروبة

ليست أزمة ليبيا اليوم أزمة حاضر فقط، كما أنها ليست نتيجة ماض ينبغي أن نعلق عليه كل إخفاقاتنا، إنها في جوهرها أزمة دولة تبحث عن نفسها وسط تراكمات ثقيلة من التاريخ.. والانقسام والتجاذبات السياسية وتبدل موازين القوة، حتى أصبح الليبي يقف أحيانًا أمام وطنه وكأنه يقف أمام صورة قديمة لم يعد يعرف أي ملامحها تمثل الحقيقة.

وحين تبحث الدولة عن نفسها في ثوب ممزق، فإن أول ما ينبغي فعله ليس تمزيق ما تبقى من الثوب، ولا البحث عن شماعة نعلق عليها كل ما حدث، بل التوقف قليلًا أمام المرآة، أن نسأل بصدق أين أخطأنا؟ وماذا بقي لنا من عناصر القوة؟ وكيف يمكن أن نعيد بناء دولة لا تقوم على انتصار طرف على طرف وإنما على انتصار فكرة الوطن على كل أشكال الانقسام؟

ليس المطلوب أن ننظر إلى الماضي الليبي نظرة ازدراء، وكأن كل ما سبق كان خطأً ينبغي محوه، وليس المطلوب كذلك أن نتعامل معه بنظرة تقديس، وكأن الماضي كان زمنًا مثاليًّا لا يجوز نقده أو الاقتراب من أخطائه، كلاهما موقف غير منتج فالأمم التي تحتقر ماضيها تفقد جزءًا من ذاكرتها، والأمم التي تقدس ماضيها تفقد قدرتها على التعلم منه.

الماضي ليس صنمًا نعبده ولا جريمة نخجل منها، إنه تجربة فيه الكثير ما يستحق أن يحفظ، وفيه ما يجب أن يراجع وفيه أخطاء ينبغي أن نتعلم منها، بدوره ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة قابلة للتغيير متى امتلك المجتمع والدولة شجاعة الاعتراف بالواقع بعيدًا عن المكابرة والمزايدات.

ولعل واحدة من أكبر مشكلات المشهد الليبي أن الخلاف لم يعد خلافًا حول السياسات والبرامج فقط، بل تحول -في مراحل كثيرة- إلى خلاف حول الذاكرة نفسها، كل فريق يريد أن يكتب روايته الخاصة للتاريخ، وأن يجعل منها الحقيقة الوحيدة، بينما يقصي روايات الآخرين، وهكذا أصبحنا نختلف حتى على تفسير ما حدث قبل أن نصل إلى الاتفاق على ما ينبغي أن يحدث.

الدولة الحديثة لا تحتاج إلى ذاكرة واحدة بقدر ما تحتاج إلى قواعد واحدة، تحتاج إلى قانون يسري على الجميع، ومؤسسات لا تتغير شرعيتها بتغير الأشخاص، وقضاء يحمي الحقوق، واقتصاد لا يكون رهينة للفوضى، وأجهزة أمنية وعسكرية تعمل ضمن إطار الدولة وتحمي الوطن والمواطن.

وفي هذا السياق يمكن الإشارة بإيجابية إلى الدور الذي اضطلعت به القوات المسلحة العربية الليبية في حفظ الأمن والاستقرار ومواجهة الجماعات المسلحة والإرهابية في مناطق مختلفة من البلاد، والإعمار الكبير الذي تشهده معظم مدن ليبيا، مع بقاء الحاجة الملحة إلى بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، وتكون مهمتها حماية ليبيا وحماية حدودها.

إن ليبيا لا تحتاج إلى انتصار منطقة على أخرى، ولا إلى انتصار مدينة على مدينة، ولا إلى أن يخرج الليبي من معركة ليبدأ أخرى، ما تحتاجه هو أن يتحول مفهوم القوة من وسيلة لإدارة الخلاف إلى أداة لحماية الدولة، فالسلاح الذي لا تحكمه المؤسسات وتحكمه الميليشيات يمكن أن يحمي طرفًا في لحظة، لكنه لا يستطيع أن يصنع دولة.

وفي الجانب الآخر، لا يمكن أن تكون السياسة مجرد استمرار للصراع بوسائل أكثر نعومة، الانتخابات والدساتير والاتفاقات السياسية والحوارات، كلها أدوات مهمة، لكنها تفقد معناها إذا لم تنتج في النهاية مؤسسات تحظى بالشرعية وتحترم نتائجها، وإذا ظل كل طرف يتعامل مع الدولة باعتبارها غنيمة مؤقتة ينبغي السيطرة عليها قبل الآخرين.

ليبيا تمتلك ما يكفي من الإمكانات كي تكون دولة مختلفة تمامًا عما هي عليه اليوم، لديها موقع جغرافي استثنائي وثروات طبيعية وساحل طويل وموارد بشرية وامتداد اجتماعي قادر على إعادة بناء الروابط التي مزقتها سنوات الصراع، لكن الثروة وحدها لا تبني دولة، كما أن النفط لا يستطيع أن يعوض غياب الإدارة الرشيدة، ولا يمكن لأي مورد اقتصادي أن يحل محل الثقة بين المواطن ومؤسسات بلاده.

المطلوب اليوم هو عقل ليبي جديد يتعامل مع الواقع دون خوف، ومع التاريخ دون عقد، ومع المستقبل دون أوهام، عقل يستطيع أن يقول إن هناك أخطاء ارتكبت، من دون أن يحول الاعتراف بها إلى إدانة أبدية لجيل كامل، ويستطيع أن يعترف بوجود إنجازات أو تجارب ناجحة، من دون أن يجعل منها مبررًا لرفض النقد أو تعطيل الإصلاح.

فالبلاد التي تريد أن تتقدم لا تسأل دائمًا، من كان على حق؟ بل تسأل أيضًا ماذا تعلمنا؟ وما الذي يمكن أن نفعله الآن حتى لا تتكرر الأخطاء؟

وهنا تكمن مسؤولية النخب السياسية والاجتماعية والإعلامية، فالكلمة في بلد مثقل بالانقسام ليست مجرد رأي عابر، قد تكون جسرًا وقد تكون شرارة، والإعلام المسؤول ليس مطلوبًا منه أن يجمل الواقع، بل أن يصفه كما هو، وأن يفتح مساحة للعقل بدلًا من أن يوسع مساحة الانفعال.

نحن بحاجة إلى خطاب يتوقف عن صناعة الأعداء من أبناء الوطن الواحد، وعن تحويل الاختلاف السياسي إلى خصومة اجتماعية، وعن تقسيم الليبيين إلى معسكرات لا تنتهي، فليبيا أكبر من كل مرحلة سياسية، وأبقى من كل شخصية وأعمق من كل خلاف عابر.

لقد آن الأوان لأن نعيد تعريف معنى الدولة في الوعي الليبي، الدولة ليست حكومة فقط، وليست برلمانًا فقط، وليست علمًا ونشيدًا ومباني رسمية، الدولة هي منظومة ثقة حين يعرف المواطن أن القانون يحميه، وأن حقه لا يتوقف على علاقاته وأن المال العام ليس ملكًا لأحد، وأن السلطة ليست امتيازًا أبديًّا، وأن الاختلاف لا يجعل منه عدوًّا لوطنه.

وحين نصل إلى هذه الفكرة يصبح النظر إلى الماضي أكثر عقلانية، والنظر إلى الحاضر أكثر شجاعة والنظر إلى المستقبل أكثر أملًا.

فليبيا لا تحتاج إلى أن تختار بين الماضي والمستقبل، بل تحتاج إلى أن تفهم الماضي كي تصنع المستقبل، ولا تحتاج إلى أن تنتصر ذاكرة على ذاكرة، وإنما تحتاج إلى ذاكرة وطنية ناضجة تستطيع أن تحمل الألم والإنجاز معًا، وأن تعترف بالأخطاء دون أن تنكر كل ما كان، وأن تستفيد من التجارب دون أن تقع أسيرة لها.

الدولة الليبية لن تولد من رحم الإقصاء، ولن تستعيد عافيتها بالحنين وحده، ولن تنهض بالخصومة الدائمة، ستنهض عندما يدرك الليبيون أن الوطن ليس ساحة لتصفية الحسابات، بل مسؤولية مشتركة، وأن الاختلاف السياسي -مهما بلغ- لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة مع ليبيا نفسها.

وعندما تخرج الدولة أخيرًا من ثوبها الممزق، فلن يكون ذلك لأن أحدًا انتصر على الجميع، بل لأن الجميع أدركوا أن استمرار تمزيق الثوب لن يترك منتصرًا، وأن الوطن الذي يتسع للجميع هو وحده القادر على البقاء.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى