مقالات الرأي

حافة الهاوية.. من ليبيا إلى هرمز وأوكرانيا



بقلم/ محمد عبد القادر

على مشارف مخاض نظام عالمي جديد يتشكل، تتضح معالم خرائط وتختفي خرائط أخرى وتتداخل خطوط وتتقاطع أخـرى.

تتجاوز الخريطة الجيوسياسية المعاصرة حدود الجغرافيا التقليدية لتلتحم فيها الموانئ، وشرايين الطاقة، وساحات الحروب المفتوحة ضمن شبكة صراع واحدة تعيد كتابة النظام العالمي.

لم تعد ليبيا مجرد دولة تعاني مخاض انتقال متعثر ومخطط له، بل تحولت إلى عقدة استراتيجية حاسمة في حرب الاستنزاف الكبرى بين المحور الغربي بقيادة واشنطن وحلف الناتو، والمحور الروسي-الشرقي الصاعد بقيادة مشتركة بين روسيا والصين وتعدد الأقطاب الإقليمية.

هذا التشابك البنيوي لا ينفصل إطلاقًا عما يدور في جبهات أوكرانيا المشتعلة، أو أزمات الاختناق الطاقوي في مضيق هرمز؛ فكلها أدوات وظيفية في معركة واحدة تحاول فيها القوى العظمى تأمين مصادر الطاقة، وكسر سلاسل الإمداد العالمية، وإعادة توزيع مراكز الثقل الكوني.

يدرك المحور الروسي والصيني أن التحكم بممرات الطاقة العالمية وحركة الملاحة عبر مضيق هرمز يمنحهم ورقة ضغط قاتلة لتركيع الاقتصاد الغربي.

وفي المقابل، وأمام هشاشة سلاسل الإمداد وتصدع أمن الإقليم، تبرز ليبيا بثرواتها الهائلة من النفط الخفيف وعالي الجودة كبديل استراتيجي وملاذ أخير لأوروبا.

هذا التدافع المحموم جعل الموانئ الليبية، والودائع، والهياكل المصرفية هدفًا حيويًّا لواشنطن لقطع الطريق أمام موسكو، ومنع تحويل “الخاصرة الرخوة للناتو” في جنوب أوروبا إلى قاعدة متقدمة للنفوذ الشرقي العابر للصحراء الكبرى.

إن التموضع العسكري والأمني المتنامي لروسيا في شرق وجنوب ليبيا ليس إلا امتدادًا عضويًّا لمعركة أوكرانيا؛ حيث تُحسم السيطرة بالوكالة عبر الإمساك بحقول النفط ومراكز صنع القرار المالي.

لم يكن الفساد المالي المستشري في ليبيا مجرد عرض جانبي أو ظاهرة محلية عابرة ناتجة عن فراغ ما بعد عام 2011، بل تمت هندسته واستغلاله بوصفه سلاح دمار شامل مؤسسي من قِبل قوى الصراع الدولي لإخضاع القرار السيادي. فقد أُديرت مقدرات الدولة العليا ــ من اعتمادات مستنديه وتهريب للوقود وعائدات النفط ــ عبر شبكات محسوبية ضيقة تحمي مصالح أمراء الحرب والسياسيين المفلسين وطنيًّا.

أتاحت هذه المنظومة الفاسدة للمحور الروسي تبييض الأموال وتمويل تمركزاته العسكرية بأموال ليبية خالصة، بينما استمر الغرب في استخدام الضغوط المصرفية وأدوات تجفيف التمويل للتحكم بمسار السلطة وصياغة الولاءات.

وهكذا، تحولت النخب المحلية إلى أدوات وظيفية تتسابق على حماية أرصدتها في الخارج، متنازلة تدريجيًّا عن السيادة الوطنية لتصبح البلاد ساحة استباحة دولية بامتياز.

حين تصبح مقدرات شعوب بأكملها مجرد أرقام صماء على رقعة شطرنج دولية تديرها واشنطن وموسكو ومعونة حلفائهما الإقليميين، يبرز السؤال الوجودي الأقسى أمام النخب والقارئ: هل تدرك النخب المحلية أن صفقاتهم المالية المؤقتة ليست سوى صك تسليم نهائي لبلادهم؟ وهل ستكون ليبيا هي الشرارة التي تفجر المواجهة الكبرى عندما تتطابق مصالح الممرات المائية المختنقة في هرمز، وجبهات الاستنزاف في أوكرانيا، وصراع القواعد على أبواب أوروبا الجنوبية، أم أن معركة حسم النفوذ العالمي الكبرى ستتم بالكامل على أنقاض ما تبقى من جغرافيا ليبيا ووحدتها وسيادتها؟

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى