مقالات الرأي

ليبيا تحت لهيب المناخ



بقلم / يوسف امحمد الشريف

لم يعد الاحترار العالمي بالنسبة إلى ليبيا قضية علمية بعيدة أو تحذيرًا يرد في تقارير المؤسسات الدولية، بل أصبح واقعًا يفرض نفسه على الحياة اليومية، من ارتفاع درجات الحرارة إلى اضطراب الأمطار، وتزايد مخاطر الجفاف والفيضانات والعواصف، وصولًا إلى الضغوط المتزايدة على المياه والطاقة والزراعة والصحة العامة. وخلال عام 2026 تبدو الصورة أكثر وضوحًا: المناخ يتغير، والظواهر المناخية أصبحت أكثر إرباكًا، بينما لا تزال الاستجابة البيئية في ليبيا أقل من حجم التحدي.

وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن متوسط درجة الحرارة في ليبيا ارتفع خلال الفترة 1971– 2020 بمعدل يقارب 0,25 درجة مئوية لكل عقد، مع توقع استمرار الاحترار وازدياد مخاطر الحرارة الشديدة مستقبلًا. كما تشير التقديرات إلى أن الأيام شديدة الحرارة ستصبح أكثر تكرارًا، وأن بعض مؤشرات الإجهاد الحراري ستزداد بصورة كبيرة خلال العقود المقبلة.

المشكلة أن ليبيا لا تواجه ارتفاع الحرارة وحده، وإنما تواجه منظومة كاملة من التغيرات المتداخلة. فارتفاع الحرارة يعني زيادة التبخر، وزيادة الطلب على المياه، وضغطًا أكبر على شبكات الكهرباء بسبب استعمال أجهزة التبريد، كما يعني ظروفًا أكثر صعوبة للزراعة والثروة الحيوانية والأنظمة البيئية. وفي الوقت نفسه، يمكن أن تصبح الأمطار أقل انتظامًا، بحيث تتراجع الفترات الممطرة بينما تأتي أحيانًا أمطار شديدة خلال فترة قصيرة، وهو ما يرفع خطر السيول والفيضانات.

لقد قدمت كارثة شرق ليبيا عام 2023 درسًا قاسيًا في العلاقة بين المناخ والبنية التحتية والتخطيط الحضري. فقد قدرت الأضرار والخسائر الناجمة عن الفيضانات بنحو 1,65 مليار دولار، وتأثرت قطاعات الإسكان والبيئة والنقل والمياه بصورة كبيرة. هذه الكارثة يجب ألا تُقرأ باعتبارها حدثًا انتهى بانتهاء العاصفة، بل باعتبارها رسالة إلى الدولة والمجتمع بأن التعامل مع المخاطر المناخية يجب أن يبدأ قبل وقوع الكارثة، لا بعدها.

والأخطر من ذلك هو استمرار التعامل مع البيئة في كثير من الأحيان باعتبارها ملفًّا ثانويًّا، بينما هي في الحقيقة جزء من الأمن الوطني والاقتصادي والاجتماعي. لا يمكن أن نتحدث عن الأمن المائي دون حماية مصادر المياه الجوفية، ولا عن الأمن الغذائي دون حماية التربة والأراضي الزراعية، ولا عن الصحة العامة دون مكافحة تلوث الهواء والنفايات، ولا عن التنمية العمرانية دون مراعاة مخاطر الحرارة والسيول وارتفاع مستوى البحر.

إن غياب أسلوب مؤسسي متكامل لمعالجة القضايا البيئية يجعل ليبيا تدفع ثمنًا أعلى كل عام. فالمعالجة التقليدية التي تنتظر المشكلة ثم تتحرك لإطفائها لم تعد مناسبة لعصر التغير المناخي. المطلوب هو الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة الوقاية والتكيف والاستباق، من خلال أنظمة إنذار مبكر للحرارة والسيول، وخرائط للمناطق الأكثر تعرضًا للمخاطر، وشبكات رصد مناخي ومائي متطورة، وإدخال الاعتبارات المناخية في التخطيط العمراني والمشروعات الاقتصادية.

كما تحتاج ليبيا إلى إعادة التفكير في المدن نفسها. فالتوسع العمراني العشوائي، وإزالة المساحات الخضراء، وزيادة الأسطح الإسمنتية، وضعف التخطيط لتصريف مياه الأمطار، كلها عوامل تزيد من تأثير الحرارة والسيول. ولذلك يجب أن تصبح المساحات الخضراء، والتشجير، والأسطح العاكسة للحرارة، والعزل الحراري للمباني، والطاقة الشمسية، وإعادة استخدام المياه، جزءًا من سياسة عمرانية وطنية لا مجرد مبادرات فردية.

ولا يمكن تحميل المواطن وحده مسؤولية الأزمة البيئية. فالمواطن يستطيع تقليل النفايات وترشيد المياه والطاقة، لكن الدولة والمؤسسات المحلية والقطاع الخاص والجامعات ومراكز البحوث تتحمل مسؤولية أكبر في بناء نظام بيئي قادر على الصمود. الأمم المتحدة تشير بالفعل إلى أن ليبيا تواجه ضغوطًا متزايدة مرتبطة بندرة المياه وارتفاع الحرارة والطاقة والخدمات العامة، وتؤكد الحاجة إلى حلول محلية قائمة على البيانات والابتكار.

إن ليبيا أمام لحظة لا تحتمل التأجيل. المناخ لا ينتظر اكتمال الخلافات السياسية، ولا ينتظر تحسن الظروف الاقتصادية، ولا يفرق بين مدينة وأخرى. الحرارة تصل إلى الجميع، والجفاف يؤثر في الجميع، والسيول لا تسأل عن الانتماء السياسي، والتلوث لا يعرف الحدود الإدارية.

ولهذا، فإن مواجهة الاحترار في ليبيا ليست ترفًا فكريًّا ولا نشاطًا موسميًّا، وإنما مسؤولية وطنية. المطلوب أن تتحول البيئة من ملف هامشي إلى قضية دولة، وأن يصبح لكل مشروع عمراني أو صناعي أو اقتصادي تقييم واضح لمخاطره البيئية والمناخية. فالمستقبل لن يكون لمن يملك النفط وحده، وإنما لمن يستطيع حماية المياه والتربة والمدن والإنسان من آثار المناخ المتغير.

ليبيا لا تحتاج إلى انتظار كارثة جديدة حتى تدرك حجم الخطر؛ فالرسالة وصلت، والحرارة ترتفع، والظواهر تتغير، وما ينقصنا ليس التحذير، بل القرار والعمل.

زر الذهاب إلى الأعلى