مقالات الرأي

تجارة “الطبيب الزائر” على حساب وجع الليبيين



بقلم/ نجوى مصطفى

بين طوابير الانتظار الممتدة في أروقة المستشفيات العامة، وبين صوت الأجهزة التي تعلن بين الحين والآخر عن شغور سرير بوفاة مريض، يقف المواطن الليبي حائرًا يصارع ألم المرض وكلفة العلاج. لقد تحول الملف الصحي وسط الصراعات المتعاقبة والتجاذبات السياسية إلى ضحية معلقة بين قرارات المسؤولين وضياع الميزانيات، لتتحول المستشفيات الحكومية التي كانت يومًا ملاذًا آمنًا إلى مبان شبه خاوية تعاني نقص الأدوية الأساسية والمستلزمات الطبية. وفي ظل هذا الفراغ الخدمي، شهدت الساحة الصحية ظاهرة لافتة؛ إذ تحولت العيادات والمراكز الخاصة إلى منصات لسباق إعلاني محموم على صفحات التواصل الاجتماعي تبشر بقدوم البروفيسور العبقري والخبير الدولي من مختلف البلدان العربية، ليرتدي الطبيب الزائر سماعته ويحمل حقيبته متجها نحو حلبة الاستثمار الطبي في أراض أرهقها الأمل المفقود.

لكن، أمام هذا التدفق السريع تطرح أسئلة السيادة والرقابة نفسها بقوة، فهل اطلعت وزارة الصحة واللجان المختصة على شهادات هؤلاء الأطباء للتحقق من صحتها وتراخيص ممارستهم للمهنة في بلدانهم؟ وهل بادرت بالتواصل الرسمي مع وزارات الصحة في بلدانهم الأم للاستعلام الدقيق عن سيرهم الذاتية، والتأكد من مستواهم الفعلي وخبراتهم ومدى أهليتهم العلمية والمهنية للعمل الدولي؟ وكيف يتم دخولهم وممارستهم للعمل دون وضوح للضوابط الضريبية والمالية لهذه الزيارات التي تجني أموالًا طائلة ثم تغادر؟ والأهم من ذلك، من يتحمل المسؤولية الطبية والقانونية عن مضاعفات العمليات المعقدة بعد مغادرة الخبير الزائر؟ أليس هو الطبيب المحلي الذي يجد نفسه يضمد الجراح ويواجه التبعات بمفرده؟

إذا التفتنا إلى العقود الماضية، نجد أن استدعاء الخبراء والأطباء الزائرين كان يخضع لبروتوكولات صارمة وضوابط قانونية مشددة تشرف عليها الدولة بشكل مباشر، حيث كان الهدف الأساسي نقل الخبرة وتدريب الكوادر الوطنية داخل مستشفيات مجهزة بكافة الإمكانيات، وليس مجرد إجراء عمليات سريعة وتجميع للأموال في أروقة القطاع الخاص. إن نهوض القطاع الصحي لن تحققه الزيارات العابرة، بل يبدأ من إعادة الهيبة للمستشفيات العامة وتوفير المعدات والأدوية اللازمة للكوادر الطبية الوطنية التي أثبتت كفاءتها في أصعب الظروف.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى