مقالات الرأي

روشة وطرابلس.. حكاية صمود

 

بقلم / عفاف الفرجاني

أكتب إليكم من هنا، من أمام صخرة الروشة بلبنان، من خنشارة المتن التي تطل على بيروت كحارسٍ أبدي، هذه المدينة التي أعلنوا موتها مرارًا وتكرارًا، وفي كل مرة كانت تنهض من رمادها لتكذب كل نبوءات السقوط وتثبت أن إرادة الحياة فيها أقوى من كل آلات الحرب.

هنا في لبنان، تدرك أن الشعب يمكن أن يكون أكبر من حربه، وأبقى من دمارها، وأن الوجود نفسه يتحول إلى فعل مقاومة.

لبنان ليس مجرد بلدٍ جغرافي، إنه أطروحة فلسفية حية عن جدلية الفناء والبقاء. هذا البلد الذي عبرت فوقه حرب الخمسة عشر عامًا التي أكلت الأخضر واليابس، ثم اجتياح بيروت عام اثنين وثمانين، ثم حرب تموز عام ألفين وستة التي حولت الجنوب إلى جبهة نار، ثم انفجار مرفأ بيروت الذي كان هيروشيما مصغرة زرعت الرعب في قلوبنا جميعًا، ثم حرب الأمس القريب التي تركت الضاحية ركامًا والجنوب جرحًا نازفًا، رغم كل هذا السجل الدموي الطويل، تجد في صباح اليوم التالي للقصف مقهى في الجميزة يفتح بابه، ومطعمًا في مار مخايل يضيء أنواره، وعرسًا في جونية يرقص أهله حتى الفجر.

هذا ليس إنكارًا ساذجًا للواقع ولا هروبًا رومانسيًّا، بل هو أرقى أشكال الانتصار عليه.

إن ما يمارسه اللبناني هو ما أسميه “المقاومة الوجودية”، وهي فلسفة عميقة مفادها أن أقوى رد على آلة القتل ليس فقط حمل البندقية، بل الإصرار العنيد على أن تظل حيًّا، أن تشرب قهوتك الصباحية، أن تفتح دكانك الصغير، أن ترسل أطفالك إلى المدرسة، أن تحب وتكتب وتغني.

في ليبيا أثناء سقوط استقرارها الأمني والسياسي علمتنا الظروف أن الصمود هو الثبات تحت صواريخ الناتو، والإصرار على الحياة رغم الانكسارات، لبنان سبقتنا وعلمتنا أن الصمود هو الرقص فوق الركام، وأن تبني بيتًا من زجاجٍ في وجه من يرميك بالحجر.

أنا القادمة من وجع وطن خذله القريب قبل البعيد لم يذق ويلات الحرب والانقسام فقط، بل أضفنا المنفى، أنا التي أعرف جيدًا ثقل ساعات الليل ومرارة الوحدة.

لبنان وحدها استفزت ما كنت أعتقده صمودا، فلكل شعبٍ فلسفته في الصمود. هنا في لبنان، لا ينتظر الناس هدنةً ليبدأوا الحياة، بل يمارسون الحياة ذاتها كفعل حربٍ مقدس ضد الحرب وضد العدو الأزلي. الحياة عندهم ليست انتظارًا، بل مقاومة وجودية.

أما أنا، فصمودي معلقٌ ومؤجل. أنا لا أنتظر زوال عدوٍ خارجي أعرفه، بل أنتظر سقوط طواغيت من بني جلدتنا، يصلون صلاتنا، ويدينون بديننا، ويأكلون من زادنا، ويمارسون طقوسنا اليومية نفسها، ثم ينقلبون علينا سكينًا.

رأيت اليوم سيدة مسنة تبيع الورد على كورنيش الروشة، وطفلًا يبيع الكعك في الحمرا بابتسامةٍ تهزم القصف، وشبابًا يضحكون بصوتٍ عالٍ، هؤلاء وحدهم من يكتبون التاريخ الحقيقي.

الحروب قد تهدم الحجر وتقتل البشر، لكنها أبدًا لن تهزم شعبًا قرر أن يحي

زر الذهاب إلى الأعلى