الرئيسيةمقالات الرأي

أرواض أنبرضن.. حين يرقص الأطفال في وجه العجز

بقلم/ قاسم صنبير

في درج، حيث تبدو الصحراء أكثر صدقًا من السياسة، وحيث يعرف الناس معنى أن تصنع من القليل كثيرًا، أقام أطفال الطوارق احتفال «أرواض أنبرضن» بمعنى (فرح الأطفال) في دورته الثالثة. احتفالٌ صغير في حجمه، كبير في دلالته؛ كأن أطفال درج قرروا، من غير خطبٍ سياسية ولا بياناتٍ حزبية، أن يقولوا لمن يديرون البلاد من مكاتبهم المكيفة: لن تتوقف الحياة لأنكم عجزتم عن إدارتها.

في الغرب الليبي، حيث تتكاثر الأزمات كما تتكاثر الوعود الرسمية، وحيث صار انقطاع الكهرباء خبرًا عاديًا، وشحّ الوقود طقسًا يوميًا، والسيولة حلمًا مؤجلًا، والأسعار تصعد كأنها في سباق لا نهاية له، والخدمات الأساسية تتراجع حتى تكاد تختفي، كان يمكن لأهل درج أن يطفئوا أنوارهم، ويغلقوا أبوابهم، وينتظروا فرجًا يأتي من طرابلس. لكنهم فعلوا العكس. أشعلوا الفرح. وكأن أطفال الطوارق قالوا للحكومة، بلغتهم التي لا تحتاج إلى ترجمان: افعلوا ما شئتم.. أما نحن فلن نسمح لعجزكم أن يصبح قدرًا لنا.

هنا تكمن المفارقة الساخرة. حكومةٌ تملك وزارات ومؤسسات وميزانيات وموكبًا طويلًا من المسؤولين والمستشارين، لكنها لا تستطيع أن تمنح المواطن كهرباء مستقرة، ولا وقودًا متاحًا، ولا سيولة ميسرة، ولا خدمات تليق بإنسان يعيش في دولة يفترض أنها من أغنى دول المنطقة. وفي المقابل، أطفال لا يملكون من أدوات الدولة شيئًا، يملكون ما فقدته الدولة نفسها: الإرادة على الاستمرار. يا لها من مفارقة! الدولة تملك المال، وهم يملكون الفرح. الدولة تملك المنابر، وهم يملكون الطبل. الدولة تملك البيانات، وهم يملكون الدبكة.

الدولة تملك كل شيء تقريبًا.. إلا القدرة على جعل المواطن يشعر أن الدولة موجودة. ولعل أكثر ما يثير السخرية أن الحكومة والمعارضة معًا تبدوان وكأنهما اتفقتا، من حيث لا تدريان، على شيء واحد: إبقاء الليبيين في حالة انتظار دائم. الحكومة تقول: اصبروا، الأمور ستتحسن. والمعارضة تقول: اصبروا، عندما نصل إلى السلطة ستتحسن. وبين «اصبروا» الحكومية و«اصبروا» المعارضة، يمضي المواطن عمره وهو يكتشف أن الشيء الوحيد الذي يتحسن باستمرار هو سعر الأشياء.


أما المعارضة الهشة، التي تتناسل بياناتها أكثر مما تتناسل حلولها، فقد وجدت في معاناة الناس مادةً جيدة للخطب، لا مشروعًا جديًّا للخروج من الأزمة. تنتقد الحكومة صباحًا، وتنتظر دورها مساءً. تلعن الفساد حين تكون خارج السلطة، ثم تبحث عن مقعدٍ إلى جواره حين تقترب منها. وهكذا أصبح المشهد الليبي أشبه بمسرح طويل، يتغير فيه الممثلون ولا تتغير المسرحية. لكن أطفال درج لم ينتظروا لا حكومةً ولا معارضة. لم ينتظروا قرارًا من مجلس، ولا بيانًا من وزارة، ولا مؤتمرًا صحفيًّا لمسؤول يشرح لهم أن الأزمة «مؤقتة» منذ سنوات. قرروا أن يحتفلوا. وهنا يصبح الاحتفال نفسه فعلًا سياسيًّا من نوع آخر.
إنه احتجاج بلا لافتات، ومعارضة بلا أحزاب، وبيان سياسي بلا كلمات. إنها رقصة تقول إن الإنسان يستطيع أن يرفض الهزيمة دون أن يرفع بندقية، وأن يقول «لا» دون أن يصرخ، وأن يعارض دون أن يفسد فرح الآخرين.

لقد اختار أطفال الطوارق أن يكونوا أبناء الحياة، رغم أن الكبار أرهقوا البلاد بخصوماتهم وصراعاتهم وحساباتهم. وفي تلك اللحظة، يصبح السؤال موجهًا إلى أصحاب القرار: من الذي يحكم من؟ هل تحكمون البلاد فعلًا، أم أنكم تديرون فقط أزمتها؟ هل أنتم الذين تصنعون مستقبل الناس، أم أن الناس هم الذين يصنعون مستقبلهم رغمكم؟ ففي درج، حيث ينقطع التيار، ويشح الوقود، وتضيق سبل العيش، وجد الأطفال طريقةً بسيطة ليقولوا إن الحياة أكبر من فشل السياسيين.

وهذا ربما هو الدرس الذي ينبغي أن يصل من درج إلى طرابلس، ومن طرابلس إلى كل غرف القرار: لا تظنوا أنكم حين تفشلون في إدارة الدولة تستطيعون إدارة حياة الناس. فالناس يتعبون، نعم. يتألمون، نعم. يشكون، نعم. لكنهم لا يموتون سياسيًّا كلما فشل سياسي. والأجمل أنهم أحيانًا يسخرون من الفشل بأن يرقصوا فوق أنقاضه.

هكذا جاء «أرواض أنبرضن» في دورته الثالثة: احتفالًا للأطفال، لكنه في عمقه رسالة للكبار. رسالة تقول: أنتم تستطيعون قطع الكهرباء، لكنكم لا تستطيعون قطع الفرح. وتستطيعون أن تجعلوا الوقود نادرًا، لكنكم لن تجعلوا الأمل نادرًا. وتستطيعون أن ترفعوا الأسعار، لكنكم لن ترفعوا ثمن الكرامة. وتستطيعون أن تتنازعوا على السلطة، لكنكم لن تستطيعوا إيقاف شعب يريد أن يعيش. ولعل أكثر ما يوجع في المشهد، أن الأطفال في درج بدوا أكثر نضجًا من كثير من رجال السياسة.


هم يعرفون أن الحياة تستحق أن تُعاش. أما السياسيون فما زالوا يتجادلون حول من يملك حق إفسادها.
فليفرح أطفال درج إذن. وليرقصوا. وليقرعوا طبولهم. فربما كانت أصواتهم، وسط صمت الدولة وضجيج السياسيين، هي أصدق بيان سياسي صدر من الغرب الليبي هذا العام.

زر الذهاب إلى الأعلى