حين تكثر المعلومات ويقلُّ السؤال

بقلم/ فرج بوخروبة
نعيش اليوم في زمن لم تعد فيه المشكلة أن نعثر على المعلومة، بل أن نعرف كيف نفهمها. فالمعرفة أصبحت في متناول اليد، والأخبار تصل إلينا قبل أن نتهيأ لفهمها، والآراء تتدفق علينا من كل اتجاه. ومع ذلك، لم تؤدِّ وفرة المعلومات بالضرورة إلى زيادة الفهم؛ فقد يحدث العكس، حين تصبح كثرة ما نعرفه سببًا في أن نتوقف عن السؤال.
المعرفة ليست أن نجمع أكبر عدد من المعلومات، وإنما أن نفهم ما وراءها، وأن نعرف كيف نربط بينها، وكيف نميز بين الحقيقة والرأي، وبين ما يستحق القبول وما يحتاج إلى مراجعة. فقد يحمل الإنسان في ذاكرته الكثير، لكنه يظل عاجزًا عن رؤية الصورة كاملة. وهنا تبدأ المشكلة: حين تحل المعلومة محل التفكير.
وقد رأى إيمانويل كانت أن بداية التنوير تكون حين يجرؤ الإنسان على استخدام عقله بنفسه، دون وصاية من أحد. وهذه الفكرة تبدو اليوم أكثر حضورًا من أي وقت مضى، لأن الوصاية لم تعد دائمًا شخصًا يفرض علينا رأيًا، بل قد تأتي في صورة شاشة تختار لنا ما نرى، وخوارزمية تحدد ما يظهر أمامنا، وجمهور يدفعنا إلى تكرار ما يقوله لأنه الأكثر انتشارًا.
نحن لا نعيش نقصًا في المحتوى، بل نعيش فائضًا منه. وما يصل إلينا ليس دائمًا ما هو أهم، وإنما في كثير من الأحيان ما هو أكثر إثارة. فالخبر الذي يثير الغضب ينتشر أسرع، والصورة التي تصدمنا تجذبنا أكثر، والرأي الحاد يجد طريقه إلى الناس بسهولة. أما الفكرة التي تحتاج إلى هدوء وقراءة وتأمل، فقد لا تجد المكان نفسه.
وهنا تكمن إحدى مفارقات عصرنا: أصبح الإنسان قادرًا على الوصول إلى العالم كله، لكنه قد يجد صعوبة في الاستماع إلى فكرة تخالف ما يؤمن به. يرى ما يشبهه، ويسمع من يوافقه، ويعيش داخل دائرة فكرية تعيد إليه أفكاره نفسها، حتى يبدو له أن ما يراه هو العالم كله.
وليس الخطر في التكنولوجيا ذاتها. فهي من أعظم الأدوات التي أتاحها الإنسان لنفسه، ويمكن أن تفتح أبوابًا واسعة للتعلم والمعرفة. لكن الخطر يبدأ عندما نسمح للأداة بأن تقود انتباهنا دون وعي، فتقرر لنا ما نقرأ، وما نتابع، وما يستحق غضبنا أو إعجابنا، بينما نظن أننا نختار بحرية.
لهذا نحتاج إلى عقل يعرف متى يتوقف. أن نتوقف قبل أن نصدق، وقبل أن نحكم، وقبل أن ننقل خبرًا أو نتبنى موقفًا. أن نسأل ببساطة: من أين جاءت هذه المعلومة؟ وما الدليل عليها؟ وهل هناك جانب آخر لم نره؟ أسئلة تبدو صغيرة، لكنها قد تكون الفاصل بين عقل يفكر وعقل يكتفي بالتلقي.
ومن هنا تأتي أهمية الفلسفة، لا باعتبارها كلامًا معقدًا أو مصطلحات بعيدة عن حياة الناس، وإنما باعتبارها تدريبًا على السؤال. إنها تعلمنا ألا نقبل الفكرة لأنها شائعة، وألا نرفضها لأنها جديدة، وأن نمنح عقولنا فرصة للنظر قبل إصدار الحكم.
وهذا ينطبق كذلك على علاقتنا بالتراث. فالماضي ليس عبئًا ينبغي التخلص منه، وليس نصًّا مغلقًا لا يجوز الاقتراب منه. هو جزء من ذاكرتنا، وفيه ما يستحق أن نحفظه، وفيه ما يحتاج إلى قراءة جديدة. والنظر إليه بعقل مفتوح لا يعني التنكر له، بل يعني احترامه بما يكفي لكي نفهمه.
ولهذا تظل تجربة ابن رشد جديرة بالتأمل؛ ليس لأننا نريد أن نعيد زمنه، وإنما لأنه قدم نموذجًا لعقل لم يرَ في السؤال خطرًا، ولا في النظر العقلي خروجًا من دائرة الإيمان أو التراث. وما نحتاجه اليوم ليس أن نستعيد الأشخاص، بل أن نستعيد شيئًا من شجاعتهم في التفكير.
إن معركة الوعي ليست معركة بين الشرق والغرب، ولا بين القديم والجديد. هذه ثنائيات تختصر المسألة أكثر مما ينبغي. المعركة الحقيقية تدور داخل الإنسان نفسه: بين عقل يقبل أن يسأل ويراجع، وعقل يكتفي بما ورثه أو بما يُلقى إليه جاهزًا.
فالمجتمع الذي لا يراجع أفكاره يكرر أخطاءه، والمجتمع الذي يخاف من السؤال يخاف، مع الوقت، من التغيير. أما المجتمع الذي يسمح لأفراده بأن يسألوا ويناقشوا ويختلفوا، فهو مجتمع يفتح لنفسه بابًا إلى المستقبل.
وهنا يأتي دور التعليم. فالمدرسة والجامعة ليستا مكانًا لحفظ المعلومات فقط، بل ينبغي أن تكونا المكان الذي يتعلم فيه الإنسان كيف يبحث، وكيف يناقش، وكيف يختلف دون خصومة، وكيف يصل إلى النتيجة بعقله. فالذي يتعلم كيف يفكر يستطيع أن يتعلم طوال حياته، أما الذي يتعود أن يأخذ الإجابات جاهزة فسوف يظل محتاجًا إلى من يفكر عنه.
لقد تغير العالم من حولنا بسرعة لا تمنحنا كثيرًا من الوقت للتردد. ولذلك لا يكفي أن نعرف أكثر؛ علينا أن نفهم أكثر. ولا يكفي أن نصل إلى المعلومات؛ علينا أن نعرف كيف نختار منها، وكيف نضعها في سياقها، وكيف نحولها إلى معرفة نافعة.
ولعل ما نحتاج إليه أكثر من أي شيء آخر هو شجاعة السؤال.
أن نقول: لا أعرف، حين لا نعرف. وأن نقول: ربما كنت مخطئًا، حين يظهر لنا ما يستحق المراجعة. وأن نملك الجرأة على إعادة النظر في فكرة ورثناها، أو موقف اعتدناه، أو حقيقة ظننا طويلًا أنها لا تحتاج إلى سؤال.
فالسؤال لا يهدم المعرفة؛ إنه يبنيها. ولا يضعف اليقين الذي يستحق أن يبقى، بل يختبره حتى يصبح أكثر رسوخًا.
وحين يستعيد الإنسان حقه في السؤال، تتحول المعلومات إلى معرفة، والمعرفة إلى وعي، والوعي إلى قدرة على الاختيار. وعندها لا يصبح الماضي سجنًا للمستقبل، ولا التكنولوجيا وصيًّا على الإنسان، بل يصبح العقل جسرًا يصل بين ما كنا عليه وما نريد أن نكونه.
