السيادة والأمن والاستقرارـ الجزء الثاني

بقلم / مريغان المنفي
إن السيادة في العصر الحديث لم تعد تعني الانعزال عن العالم أو رفض التعاون الدولي، بل أصبحت تشمل قدرة الدولة على الدخول في علاقات وشراكات واتفاقيات تحقق مصالحها وتحافظ في الوقت نفسه على استقلال قرارها. فالتعاون في مجالات الاقتصاد والأمن والتنمية ومكافحة الجريمة العابرة للحدود لا يمثل بالضرورة انتقاصًا من السيادة، بل يمكن أن يكون وسيلة لتعزيزها عندما يتم وفق رؤية وطنية واضحة وبما ينسجم مع القانون والمصلحة العامة. ومن ثم فإن الدولة ذات السيادة ليست الدولة المنعزلة، وإنما الدولة القادرة على تحديد مصالحها والتفاوض بشأنها وحماية قرارها الوطني.
ولا يمكن فصل الأمن والاستقرار عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، لأن الفقر والبطالة والتهميش وضعف الخدمات وغياب العدالة قد تتحول إلى عوامل تغذي التوتر وعدم الاستقرار. ولذلك فإن المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي لمعالجة المشكلات التي تهدد استقرار الدولة. فالأمن الحقيقي يحتاج إلى اقتصاد قادر على توفير فرص العمل، وإلى مؤسسات تعليمية وصحية فاعلة، وإلى نظام قضائي مستقل وفعال، وإلى توزيع عادل للفرص والموارد، وإلى شعور المواطنين بأن الدولة تمثلهم وتحمي حقوقهم دون تمييز.
وكلما زادت قدرة الدولة على توفير هذه الشروط، انخفضت دوافع اللجوء إلى العنف أو الصراع، وأصبح الأمن نتيجة طبيعية لتماسك المجتمع وليس مجرد نتيجة لاستخدام القوة.
ومن هنا فإن بناء الدولة يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس الثقة المتبادلة. فالمواطن لا ينبغي أن ينظر إلى مؤسسات الأمن باعتبارها أدوات للرقابة والخوف، وإنما باعتبارها مؤسسات وطنية مهمتها حماية الجميع وتطبيق القانون بعدالة. وفي المقابل، فإن ممارسة الحرية لا تعني تجاوز القانون أو الإضرار بحقوق الآخرين أو تهديد أمن المجتمع، بل تعني ممارسة الحقوق ضمن إطار المسؤولية واحترام النظام العام. وعندما تتأسس العلاقة بين المواطن والدولة على هذا الفهم المتوازن، يصبح الأمن مسؤولية مشتركة، وتصبح حماية الاستقرار شأنًا يشارك فيه المجتمع إلى جانب مؤسسات الدولة.
إن المعضلة الأساسية في بناء الدولة لا تتمثل إذن في الاختيار بين الأمن والحرية، ولا بين السيادة والانفتاح، وإنما في القدرة على بناء مؤسسات تجعل هذه العناصر متكاملة بدل أن تكون متعارضة. فالدولة التي تحقق الأمن بالقوة وحدها قد تحقق هدوءًا مؤقتًا، لكنها قد تفشل في بناء استقرار مستدام إذا غابت العدالة والشرعية والمشاركة. والدولة التي ترفع شعار الحرية دون مؤسسات قادرة على حماية القانون قد تواجه بدورها اضطرابات تهدد الحقوق التي تسعى إلى حمايتها.
أما الدولة التي تجمع بين قوة المؤسسات واحترام القانون وحماية الحريات وصون السيادة، فإنها تكون أكثر قدرة على تحويل الأمن من حالة مؤقتة إلى استقرار مستدام.
وعليه، فإن الأمن والاستقرار والحرية والسيادة ليست مفاهيم متناقضة بطبيعتها، بل هي عناصر مترابطة في مشروع بناء الدولة. فالأمن يوفر للمواطن البيئة التي يستطيع فيها ممارسة حريته، والحرية تمنح الدولة شرعية اجتماعية وسياسية، والاستقرار يسمح للمؤسسات بالتطور وتحقيق التنمية، بينما توفر السيادة الإطار الذي يحمي استقلال الدولة وقدرتها على اتخاذ قراراتها.
والتحدي الحقيقي يتمثل في إقامة توازن دقيق بينها، بحيث لا تتحول الحاجة إلى الأمن إلى ذريعة دائمة لتقييد الحريات، ولا تتحول ممارسة الحرية إلى عامل يهدد أمن المجتمع، ولا تتحول السيادة إلى سلطة منفصلة عن القانون والمصلحة العامة.
وفي النهاية، فإن الدولة القوية ليست بالضرورة الدولة الأكثر تشددًا، وإنما الدولة التي تمتلك مؤسسات شرعية وفعالة، وقانونًا يطبق على الجميع، وأجهزة أمنية مهنية، ومجتمعًا يشعر بأن حقوقه مصونة وأن مشاركته محترمة، بحيث يصبح الأمن أساسًا للحرية، والحرية مصدرًا للشرعية، والسيادة إطارًا للاستقلال، والاستقرار نتيجة طبيعية لدولة قادرة على إدارة اختلافاتها وتحقيق مصالح مواطنيها.
