مقالات الرأي

حين تصوغ الفروسية معنى الوحدة الوطنية



بقلم/ عبد الله ميلاد المقري

في الوقت الذي يشتد فيه الصراع بين من جعلوا ليبيا في حالة من الفوضى والفساد، وتمترسوا بالأسلحة الثقيلة، واحتكرت فيه سلطةٌ غير مختارة شعبيًّا -السياسةَ والاقتصاد- وانغمست في مظاهر تجويع الشعب الليبي، وتمسكت بالتجزئة والانقسام، وتربصت ببعضها البعض، وعملت على إسكات أي محاولة لمواجهة سياسة الفوضى بوسائل سلمية، أداتها التظاهر السلمي والحراك السياسي، من أجل كسر احتكار السلطة لصالح فئة فاسدة تضرب بمصلحة الوطن، في أوضاع قاسية يعيشها الليبيون للأسف، وهم يطأطئون رؤوسهم خوفًا وعذرًا، برغم أن تاريخ ليبيا في النضال سُجِّل بمشاعل من التضحية والفداء.

وقد وصل الوطن إلى مرحلة الاستقلال والبناء بإقامة أسس دولة كانت في مستوى من التنظيم والاهتمام، وشهدت مراحل عُليا من التطور، حيث ابتُنيت هذه الدولة الليبية بسواعد أهلها في وحدة وطنية مستقلة، قبل ما سُمِّي بالمؤامرة الكونية وأطرافها الخارجية والمحلية، ذات الخضوع للأجنبي، ومشروع الإسلام السياسي الذي حوّل ليبيا إلى مشروع إرهابي خطير، هيمن على السلطة ومكّنها من تنفيذ مشروعه بربط مقدرات ليبيا بالخارج، الذي ارتبط بمقدمات الغزو الأطلسي الخليجي، وجامعة الدول العربية الفاسدة المتآمرة على الأمة العربية، التي كانت العرّاب لإسقاط ليبيا في الفوضى، وقبلها العراق، ولحقتها سوريا، والحروب الإثنية في اليمن والسودان، وآخرها سوريا، لتصبح قوات الجيش الصهيوني على خطوات من أسوار مدينة دمشق.

وأما ما يجري في ليبيا، فتبرز مؤسسة أهلية تُعنى بإحياء تراث المجد والكرم والشجاعة، وتعيد دورها الوطني بكل حيوية. فهذه المؤسسة التي تجمع فرسان ليبيا، والمعروفة تاريخيًّا، تغطي كل أنحاء البلاد من خلال مهرجانات مستمرة، لتكسر أي محاولة لتجزئة الجغرافية الليبية، وتنطلق في أفواج ومجاميع تجوب كل المدن الليبية لإحياء هذه المهرجانات والمسابقات الخاصة بالفروسية.

وليس هذا فحسب، فهي تمثل حضورًا شعبيًّا وأهليًّا، وأصبح الاهتمام بالفروسية وهذه المهرجانات ظاهرة حية طيلة السنة. والأجمل في ذلك أن التنافس بين الفرسان أصبح ظاهرة حميدة، كما أصبحت أفراح الزواج مرتبطة بمجاميع الخيل، حيث يلتقي الحاضر بالماضي في الافتخار بهذا النشاط الأهلي، الذي أصبح مظهرًا من مظاهر وحدة الشعب الليبي.

ويظهر ذلك من خلال الاعتناء من قبل قاعدة وطنية تسعى إلى اقتناء أشهر الخيول العربية الأصيلة، كما يجتهد العديد من الليبيين في دعم الفروسية، ويميل بعض المقتدرين ماليًّا إلى الاستثمار في امتلاك أمهر الخيول وأنشطها، القادرة على كسب السباقات. وبذلك يلتقي هذا الاهتمام مع ذاكرة النضال، حيث ارتبطت الخيل العربية الأصيلة بمعارك التحرير وإجلاء المستعمر الإيطالي.

وتحكي قصص البطولة دور الفارس الليبي في معارك الجهاد ضد الاحتلالين التركي والإيطالي طيلة سنوات المواجهة في سردية يحكي عنهـا التراث النضالي الوطني بكل فخر واعتزاز، وهكذا تلتقي مهرجانات الفروسية مع الشعر الشعبي في صورة إبداعية تعيد الأمل لليبيين، وتبشر بالخير، وتؤكد على الوحدة الوطنية، متجاوزةً كل حالات التقزّم ومحاولات تجزئة الجغرافية المتماسكة في عمق التاريخ.

زر الذهاب إلى الأعلى