المغرب العربي بين العرب والأتراك العثمانيين

بقلم/ محمد نبيغ
يقتضي المنهج العلمي في دراسة تاريخ شمال إفريقيا التحرر من ثنائية التمجيد المطلق والإدانة المطلقة، إذ لا تُقرأ الأحداث الكبرى بمنطق العاطفة أو الانتماء، وإنما في ضوء سياقاتها السياسية والاجتماعية والحضارية. فما عرفته المنطقة منذ القرن السابع الميلادي لم يكن مجرد صدام عسكري عابر، ولا مجرد انتقال سلمي للأفكار، بل كان مسارًا تاريخيًّا طويلًا تداخلت فيه العقيدة والسياسة، والعمران والحرب، والاندماج والصراع، حتى تشكلت الشخصية الحضارية للمغرب الإسلامي.
لقد مثَّل الدخول العربي الإسلامي تحولًا عميقًا في تاريخ المنطقة، فأعاد صياغة بنيتها الدينية والثقافية واللغوية، وأقام فضاءً حضاريًّا مشتركًا اندمجت فيه المكونات العربية والأمازيغية في إطار الحضارة الإسلامية. ومن هذا التفاعل نشأت مراكز علمية كبرى، مثل القيروان والزيتونة وفاس وتلمسان، التي أصبحت منارات للفقه واللغة والعلوم والفلسفة، وأسهمت في نشر المعرفة داخل إفريقيا والأندلس وأوروبا، كما تشكلت شبكات اقتصادية وتجارية وثقافية ربطت المغرب بالمشرق وبإفريقيا جنوب الصحراء.
وفي مرحلة لاحقة، أسهم الوجود العثماني، بالتعاون مع القوى المحلية، في حماية أجزاء واسعة من سواحل شمال إفريقيا من التوسع الإسباني والبرتغالي خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، فكان للجهاد البحري دور مهم في الحفاظ على استقلال مدن عديدة ومنع تكرار المصير الذي انتهت إليه الأندلس بعد سقوطها.
غير أن هذه المسيرة لم تكن خالية من الأخطاء والانحرافات. فقد شهدت بعض الفترات تجاوزات في الجباية، وتعسفًا في فرض الضرائب والخراج، وسوء تطبيق لبعض الأحكام، ولا سيما في عصور الولاة أو خلال مراحل ضعف السلطة المركزية، وهو ما أدى إلى اضطرابات وثورات اجتماعية وسياسية وعقدية، من بينها ثورات الخوارج في المغرب الإسلامي. كما خلّفت الحروب، سواء أثناء الفتح أو خلال مقاومة بعض القوى المحلية، أو في الصراعات الداخلية اللاحقة، خسائر بشرية ومادية كبيرة، وهي وقائع ينبغي فهمها بوصفها ممارسات بشرية مرتبطة بطبيعة الصراع السياسي، لا باعتبارها تعبيرًا عن جوهر الدين.
ومن هنا تبرز ضرورة التمييز بين الإسلام باعتباره دينًا قائمًا على مبادئ العدل والرحمة، وبين الدول التي حكمت باسمه. فالدول، مهما رفعت من شعارات، تبقى مؤسسات بشرية تخضع للمصالح وموازين القوة، وقد تصيب وقد تخطئ، ولذلك فإن تجاوزات بعض الحكام أو الولاة لا تمثل الإسلام، كما أن عدل بعضهم لا يجعلهم معصومين من الخطأ.
كما ينبغي التمييز بين العرب كجماعة بشرية متنوعة، وبين السياسات التي انتهجتها بعض الدول، وبين الأمازيغ باعتبارهم أحد المكونات الأصيلة لشمال إفريقيا، الذين أسهموا بدورهم في بناء الحضارة الإسلامية، فخرج منهم قادة وعلماء وفقهاء ومجاهدون كان لهم أثر بالغ في تاريخ المنطقة. وهذا يدل على أن العلاقة بين العرب والأمازيغ لم تكن علاقة صراع دائم، وإنما كانت في معظم مراحلها علاقة اندماج وتفاعل، رغم ما شهدته أحيانًا من توترات وصراعات.
إن تحويل التاريخ إلى صراع عرقي أو إلى خطاب كراهية لا ينتج معرفة، بل يعيد إنتاج الانقسام. فحين تسود العصبيات العرقية والقبلية والطبقية تضعف الدولة ويتفكك المجتمع، وحين تسود قيم العدل والمساواة والشراكة يتحول التنوع إلى مصدر قوة وإبداع وإثراء حضاري.
ولذلك فإن قراءة تاريخ شمال إفريقيا لا ينبغي أن تبحث عن ملائكة لا يخطئون، ولا عن شياطين لا يصنعون إلا الشر، بل عن الحقيقة كما صنعتها الوقائع. فالتجربة العربية والعثمانية في المنطقة ليست تاريخًا مقدسًا منزّهًا عن النقد، كما أنها ليست مشروعًا استيطانيًّا استئصاليًّا خاليًا من الإسهام الحضاري، وإنما هي تجربة تاريخية مركبة، امتزجت فيها اعتبارات الدين والسياسة والاقتصاد والعسكر، وأسهمت في بناء فضاء حضاري مشترك لا تزال آثاره الدينية واللغوية والثقافية والعلمية حاضرة إلى اليوم، مع بقاء ممارسات البشر خاضعة لقوانين التاريخ، حيث يتجاور العدل والظلم، والنجاح والإخفاق، والبناء والهدم.
إن الإنصاف التاريخي يقتضي الاعتراف بالإنجازات الحضارية التي أسهمت في تشكيل هوية المغرب الإسلامي، كما يقتضي إدانة كل ظلم أو تعسف أو تمييز وقع، أيًّا كان مصدره. فالتاريخ ليس محكمة لإصدار الأحكام النهائية، وإنما مدرسة لفهم الماضي، واستخلاص العبر، وبناء مستقبل يقوم على المعرفة والعدالة واحترام التنوع الإنساني.
