مقالات الرأي

الديمقراطية التمثيلية: هل أخلفت وعد السيادة الشعبية؟ الجزء الرابع



بقلم: محمد المختار

الجزء الرابع: الثورة.. استردادٌ لسيادة الإنسان

ليست الثورة انقلابًا عابرًا على نظامٍ سياسي، ولا مجرد انتقالٍ للسلطة من يدٍ إلى أخرى، بل هي فعلٌ تاريخيٌ يستهدف استعادة ما انتُزع من الإنسان: سيادته على مصيره، وحقه الأصيل في صناعة مستقبله بإرادته الحرة.

فإرادة الشعب ليست وكالةً مطلقة تُسلَّم إلى فردٍ أو حزبٍ أو جماعة، ولا السيادة امتيازًا تمنحه النخب أو تحتكره المؤسسات، بل هي حقٌ أصيل لا يسقط بالتقادم، ولا يجوز التنازل عنه بما يؤدي إلى احتكار القرار وإقصاء الجماهير. فالسيادة الحقيقية لا تكتمل إلا بالمشاركة الشعبية المباشرة، والرقابة المستمرة، والحضور الدائم لإرادة الأمة في جميع مفاصل الدولة.

ومن هنا تنبع الضرورة التاريخية للحركة الثورية الأصيلة؛ حركةٍ لا يكون هدفها اعتلاء السلطة، بل تحريرها من دوائر الاحتكار وإعادتها إلى أصحابها الحقيقيين: الشعب. فهي تؤمن بأن الجماهير ليست خزّانًا انتخابيًّا ولا وقودًا للصراعات السياسية، وإنما مصدر الشرعية وحارسها، وصانعة التاريخ، وضمانة المستقبل. ورسالتها ليست استقطاب الناس إلى صفوفها، بل إطلاق طاقاتهم، وتحريرهم من الوصاية، وترسيخ ثقتهم بقدرتهم على الفعل الجماعي وصناعة التغيير.

فالثورات الكبرى لا تولد في قصور الحكم ولا في دهاليز السلطة، وإنما تنبثق من تراكم الظلم والاستبداد، ومن معاناة الشعوب التي سُلبت حقوقها وصودرت إرادتها. وهي التعبير الأصدق عن توق الإنسان إلى الحرية والكرامة والعدالة.

ولذلك فالثورة ليست انقلابًا على أشخاص، بقدر ما هي ثورة على منطق احتكار السلطة ذاته؛ فهي لا تستبدل نخبةً بأخرى، ولا تعيد إنتاج الهيمنة بوجوه جديدة، بل تهدم الأساس الذي يجعل السلطة حكرًا على فئة دون سواها. إنها مشروع لتحرير الدولة من هيمنة الأفراد والجماعات، وإعادتها إلى المجتمع، لتصبح أداةً لتنفيذ الإرادة الشعبية، لا وصيةً عليها.

ومن هذا المنطلق، لا ترى القيادة الثورية في الجماهير وسيلةً للوصول إلى الحكم، بل تعتبرها صاحبة الحكم ومصدر الشرعية. فهي لا تستبدل وصايةً بوصاية، وإنما تعمل على تحرير الإنسان من السيطرة السياسية والفكرية، حتى يصبح قادرًا على إدارة شؤونه والمشاركة المباشرة في صناعة القرار.

إنها قيادة تُلهم أكثر مما تُملي، وتوقظ الوعي أكثر مما تُصدر الأوامر، وتبني الإنسان قبل النفوذ، وتفتح ميادين المبادرة الشعبية، وتفكك الثقافة التي كرّست انتظار “المنقذ” واحتكار السياسة والمعرفة. فهي تثور، قبل كل شيء، على العقلية التي أقصت الجماهير عن ممارسة حقها الطبيعي في إدارة شؤونها.

ومن ثم، فإن أعظم انتصار تحققه القيادة الثورية ليس إحكام قبضتها على السلطة، بل تمكين الشعب من امتلاك أدوات السيادة، حتى يصبح قادرًا على إدارة شؤونه بنفسه، وممارسة سلطته بإرادة واعية ومسؤولة. وعندها يغدو الشعب صاحب القرار، والرقيب على مؤسساته، والحاكم الحقيقي لمصيره.

وفي هذا التصور، ليست الدولة غنيمة تتقاسمها القوى السياسية، ولا أداة لترسيخ النفوذ، بل جهاز إداري وتنظيمي يخضع لإرادة الأمة، ويُعاد بناؤه ليكون وسيلة لتنفيذ الإرادة الشعبية. ويقتضي ذلك إعادة صياغة العلاقة بين المجتمع ومؤسسات الحكم، وإرساء آليات راسخة للرقابة الشعبية، بما يضمن أن تظل السيادة ممارسة يومية، وأن تصبح الديمقراطية واقعًا حيًّا يتجسد في فعل المواطنين، لا مجرد نصوص أو إجراءات شكلية.

وهكذا تظل الثورة، في أفقها الفكري، مشروعًا لتحرير الإنسان قبل السلطة، وحصنًا للدفاع عن حق الشعوب في الحرية والسيادة، وسدًا منيعًا في مواجهة كل محاولة لاغتصاب الإرادة الشعبية أو احتكار القرار السياسي. إنها مشروع لبناء دولة تستمد مشروعيتها من إرادة الأمة، وقوتها من وعي الجماهير، ورسالتها من خدمة الإنسان وصون كرامته.

زر الذهاب إلى الأعلى