متوالية الأزمات واختبار الصمود

بقلم/ فرج بوخروبة
في ليبيا، لم تعد خطورة المشهد في حادثة منفردة، بل في تتابع أحداث تمس في وقت واحد المال والطاقة والأمن، وتأتي في مرحلة سياسية لم تُحسم فيها بعد مسألة الدولة ومؤسساتها ومرجعياتها.
استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي، واستمرار استهداف مصفاة الزاوية بالطائرات المسيّرة، واغتيال اللواء فوزي المنصوري، رئيس الاستخبارات العسكرية، إلى جانب المناوشات والاضطرابات في الجنوب، ليست بالضرورة حلقات في فعل واحد، ولا يجوز مهنيًّا القفز إلى استنتاجات لا تسندها الأدلة، لكنها، في مجموعها، تكشف مستوى مقلقًا من الضغط الذي تتعرض له الدولة الليبية.
المصرف المركزي.. ما وراء الاستقالة: استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها تغييرًا إداريًّا عابرًا.
المصرف هو أحد أهم مفاصل الدولة، وأي اهتزاز في قيادته يأتي في بلد يعتمد اقتصاده على مورد واحد تقريبًا، ويعاني من انقسام سياسي وضغط متواصل على الإنفاق العام، ستكون له انعكاساته على السوق وسعر الصرف وثقة المواطنين.
المسألة ليست في شخص المحافظ، وإنما في قدرة المؤسسة على الاحتفاظ باستقلالها ومهنيتها.
فكلما اقتربت المؤسسات السيادية من التجاذب السياسي، اتسعت مساحة الخلل، وتحول الاقتصاد من أداة لإدارة الدولة إلى ورقة في إدارة الصراع.
وهذا ما لا تستطيع ليبيا تحمله في هذه المرحلة.
الزاوية.. استهداف يتجاوز حدود المكان: في الزاوية، تتخذ الصورة بعدًا أكثر حساسية.
استمرار استهداف مصفاة الزاوية بالطائرات المسيّرة يعني أن منشأة حيوية أصبحت تحت تهديد متكرر.
وهنا لا يتعلق الأمر بموقع جغرافي أو طرف محلي بعينه؛ فالمصفاة جزء من منظومة الطاقة التي تمس حياة المواطن مباشرة، وأي اضطراب في عملها يمكن أن ينعكس على الوقود والخدمات والسوق.
لكن الخطر الأكبر يكمن في تكرار الاستهداف. فالضربة الواحدة قد تكون حادثًا أمنيًّا، أما تكرارها فيعني وجود قدرة على الوصول وإعادة المحاولة، ويطرح سؤالًا حول مستوى الحماية والردع وقدرة الدولة على حماية منشآتها الحيوية.
ومن حق الليبيين أن يعرفوا: من يقف وراء هذه الهجمات؟ وما الغاية منها؟ وهل تستهدف المصفاة بذاتها، أم أن الهدف الأوسع هو الضغط على قطاع الطاقة وإرباك المشهد الاقتصادي؟
الإجابة يجب أن تأتي من التحقيق، لا من التكهنات.
اغتيال المنصوري.. الخطر في معنى الاختراق: أما اغتيال اللواء فوزي المنصوري، رئيس الاستخبارات العسكرية، فيمثل ضربة أمنية ذات دلالة خاصة.
فالحديث هنا عن مسؤول يشغل موقعًا حساسًا في منظومة الأمن، واستهدافه يفرض أسئلة تتعلق بالاختراق والقدرة على الوصول إلى الشخصيات المحمية، وبالجهة التي تقف خلف العملية ودوافعها.
لكن القراءة المهنية تقتضي الفصل بين وقوع الاختراق وبين تحميل المؤسسة العسكرية المسؤولية عنه.
فالشرق الليبي، بما فيه بنغازي، يقع تحت سيطرة المؤسسة العسكرية التي نجحت خلال السنوات الماضية في فرض قدر كبير من الاستقرار والسيطرة على مساحات واسعة من البلاد.
ومن ثم فإن أي قراءة مسؤولة يجب أن تنظر إلى المؤسسة العسكرية باعتبارها عنصرًا من عناصر الاستقرار القائم، مع الاعتراف في الوقت نفسه بأن وقوع اغتيال بهذا المستوى يستوجب مراجعة أمنية دقيقة لمعرفة كيفية حدوثه ومن يقف وراءه.
المطلوب هنا ليس التشكيك، وإنما معرفة الحقيقة.
الجنوب.. الأمن الذي لا يحتمل التأجيل: وفي الجنوب، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا.
فالجنوب ليس طرفًا بعيدًا عن مركز الدولة، بل هو عمقها الاستراتيجي وحدودها المفتوحة ومساحتها الأوسع والأكثر صعوبة من حيث السيطرة الأمنية.
المناوشات والاضطرابات هناك لا ينبغي أن تُعامل كأحداث محلية منفصلة عن بقية البلاد.
فالفراغ الأمني في الجنوب يمكن أن يفتح الطريق أمام التهريب والهجرة غير النظامية وتحرك الجماعات المسلحة وتداخل المصالح الإقليمية، وكل ذلك يجعل الجنوب جزءًا أساسيًّا من معادلة الأمن الوطني. والتعامل معه بمنطق رد الفعل لن يكون كافيًا.
المطلوب هو حضور مؤسسي دائم للدولة، ورؤية أمنية واضحة، وتنمية تضع سكان الجنوب في قلب الدولة لا على هامشها.
المشهد الأوسع: عند النظر إلى هذه الوقائع مجتمعة، لا تبدو ليبيا أمام أزمة واحدة، وإنما أمام ضغوط متعددة تتقاطع في نقطة واحدة: قدرة الدولة على الاحتواء.
المؤسسة النقدية تحت ضغط: والمنشآت الحيوية تتعرض للاستهداف. والأجهزة الأمنية تواجه خطر الاختراق. والجنوب يحتاج إلى تحصين مستمر. والأزمة السياسية لم تصل بعد إلى نهايتها.
هذه ليست بالضرورة مؤشرات على انهيار الدولة، لكنها مؤشرات على استنزاف الدولة.
والاستنزاف أخطر من الأزمة المفردة؛ لأنه يتسلل تدريجيًّا إلى المؤسسات والمجتمع، ويجعل مظاهر الخلل تتكرر حتى تبدو وكأنها جزء طبيعي من الحياة العامة. وهنا ينبغي أن تتغير طريقة التفكير.
ليبيا لا تحتاج إلى إدارة الأزمات إلى ما لا نهاية، بل إلى معالجة أسبابها.
المصرف المركزي يحتاج إلى حماية استقلاله. وقطاع النفط يحتاج إلى تحصين منشآته وإبعاده عن الصراع. والمؤسسات العسكرية والأمنية تحتاج إلى دعمها وتطوير قدراتها، لا إلى تحويل كل اختراق أمني إلى مناسبة للصراع السياسي. والجنوب يحتاج إلى سياسة دولة متكاملة، لا إلى حلول مؤقتة. أما المسار السياسي، فقد بلغ مرحلة لم يعد معها استمرار الانتقال المفتوح حلًّا، لأن إطالة المرحلة الانتقالية تعني استمرار البيئة التي تنتج الأزمات نفسها.
الخطر الحقيقي: لا تكمن خطورة اللحظة في أن ليبيا على وشك الانهيار غدًا، فهذا استنتاج متسرع لا تدعمه الوقائع بالضرورة. لكن الخطر يكمن في أن تستمر الدولة في استنزاف نفسها، حادثة بعد أخرى، وأزمة بعد أخرى، حتى يصبح مجموع الأزمات أكبر من قدرة المؤسسات على احتوائها. وهنا تصبح المسؤولية وطنية قبل أن تكون سياسية.
المطلوب حماية المؤسسات التي بقيت واقفة، وتحصين المنشآت التي تمثل ثروة الليبيين، ودعم المؤسسة العسكرية والأمنية في أداء مهمتها، وإغلاق المساحات التي تسمح بالاختراق، وإعادة الجنوب إلى صلب الاهتمام الوطني، ثم الوصول إلى مسار سياسي ينهي حالة الانتقال ويمنح الدولة شرعية مستقرة.
فليبيا لا ينقصها ما يجعلها دولة قوية. لديها الأرض، والثروة، والموقع، والموارد، والقدرة البشرية. لكنها تحتاج إلى قرار وطني يجعل مؤسسات الدولة أقوى من الصراع.
لذلك فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: من يقف وراء كل حادثة؟
فهذا سؤال تحسمه التحقيقات.
السؤال الأهم هو: هل تستطيع الدولة الليبية أن تمنع هذه الحوادث من التحول إلى متوالية تستنزف قدرتها على البقاء والاحتواء؟ هنا تكمن المعركة الحقيقية. ليس بين شرق وغرب، ولا بين مؤسسة وأخرى، وإنما بين منطق الدولة ومنطق الأزمة المفتوحة.
