مقالات الرأي

العقيدة الوطنية


بقلم/ فرج عيواز

فجأة يكسر ذلك الصمت الذي تفرضه القوانين والأعراف العسكرية، تصفيق حار دون إيعاز من أحد، في مسرح كلية الدفاع الجوي بتاجوراء، سنة 1983م. كان يوم خميس، ومن المعتـاد أن نشاهد عرضًا سينمائيًّا، بعد وجبة العشاء، وما زلت أذكر ذلك العرض، إنه عن دورة الألعاب الأولمبية الصيفية، التي أقيمت في موسكو سنة 1980م.

وكانت مشاهد الافتتاحية، بما تضمنته من عروض فنية ورياضة، في غاية الروعة والجمال. وما أن انتهت المشاهد الأولى للافتتاحية، حتى بدأت صور ممثلي وفود الدول المشاركة تظهر على الشاشة، وكان من ضمنها الوفد الليبي، الذي تميز بزيه الوطني. قد يكون ظهوره لم يدم إلا لبضع ثوانٍ، ولكنها كانت كافية لإطلاق موجة من التصفيق الحماسي، وبشدة قلَّ أَن يُرى مثيلها. ما الذي دفع ما يقرب من سبعمئة طالب وضباطهم المشرفين عليهم، إلى هذا الفعل العفوي؟ ولو أمروا بالتصفيق لما كان بهذه الشدة والحماس. هذا الحدث ظل عالقًا في ذاكرتي لم أنسه، وربما لم أدرك معناه في حينه، كما أدركه اليوم، وأستحضر هنا موقفًا آخر ما زال في ذاكرتي، فقد درج أصحاب المحال التجارية، طلبا للأجر والثواب من عند الله، بوضع ماء للسبيل بلف برميل سعة عشر لترات أو أكثر بخيشة للاحتفاظ بمياهه باردة، ويضعون عليها كوبًا للشراب. دخلت ذات مرة لإحدى المحلات لشراء شيءٍ ما لم أعد أذكره، وعندما أردت أن أشرب وأمسكت بالكوب الموضوع على البرميل طلب مني التاجر عدم استعماله، وأخرج كوبًا آخر كان يحتفظ به قائلًا: “لبلاد تعبت أجانب من كل ملة وفيهم مرض وبلي ما له حد”، وهنا نفس السؤال يُطرح من جديد ما الذي دفع هذا المواطن، إلى مثل هذا التصرف؟ فمثل هذه المواقف والتصرفات، نابعة من شعور قد لا يستطيع الإنسان التعبير عنه، إما خجلًا أو لا تسعفه الكلمات للتعبير عما في خاطره.

ولا شك أن وراء مثل هذه التصرفات شعورًا وطنيًّا وإحساسًا بالمسؤولية تجاه أبناء الوطن، وهذا ما يقودنا إلى مفهوم العقيدة الوطنية، التي تمثل منظومة من القيم والمبادئ التي تجعل الوطن إطارًا جامعًا لسلوكيات المواطن. وتدفعه إلى احترام القانون، والمحافظة على الدولة، وتحمل المسؤولية والتضامن مع أبناء وطنه، والاستعداد للتضحية من أجل المصلحة العامة.

 والانتماء إلى الوطن ليس مجرد معرفة اسمه وحمل جنسيته، فعندما يصبح الانتماء قيمة راسخة، وسلوكًا عفويًّا في أغلب الأحيان، فإنه يأخذ شكلًا أعمق يمكن أن نسميه العقيدة الوطنية، التي تشكل أهم ركائز بناء الدولة وقوتها المعنوية، وهي لا تحدث فجأة وإنما تنشأ وتتجذر في بيئة تشبع بالمبادئ والقيم الوطنية. ولهذا، عقيدة أي أمة تمثل العمود الفقري للدولة، وتبقى هدفًا لأعدائها، الذين يسعون إلى إضعافها بكل الطرق والوسائل، كالتضليل الإعلامي والحرب النفسية وإثارة النعرات القبلية والطائفية، وغيرها من الوسائل التي تستهدف تفكيك الشعور بالانتماء الوطني. والأخطر هو خلق عقيدة موازية لعقيدتها الوطنية، تحول الولاء لجهة أو جماعة أو انتماء معين بديلًا عن الولاء الوطني. وإذا كان قمة الانتماء للوطن هو إنكار الذات، فمن الأولى إنكار كل الانتماءات الأخرى، التي تتعارض مع ذلك، سواء أكانت قبلية أم طائفية أم عرقية أم دينية…الخ، ولا تعارض بالضرورة بين هذه الانتماءات، وبين الانتماء الوطني. ولكن تبدأ المشكلة عندما تتحول هذه الانتماءات إلى ولاء بديل عن الوطن، وتصبح عقيدة موازية للعقيدة الوطنية.

والانتماءات في حد ذاتها لا تشكل خطرًا على الأمة، فكلنا نفتخر بأننا مسلمون، ونعنز بانتماءاتنا القبلية والعرقية، ولكن تظل ليبيا هي العنوان، نقف لعلمها ونردد نشيدها ونقبل ترابها، فهي عرضنا وشرفنا والوطن الذي يجمعنا وكرامتها وسيادتها مسؤوليتنا جميعًا.

وبالعودة إلى مسرح كلية الدفاع الجوي سنة 1983م، لا أعتقد أنه كانت هناك قرية أو مدينة ليبية، غير ممثلة بأحد أبنائها الشباب في هذا المسرح، ويشغل كرسيًّا بجانب زميل له، قد يفصل بين مدينتيهما سفر شاق، ولكن جمعتهما المؤسسة العسكرية الليبية، وشعور بأن هناك وطنًا أكبر من أية قرية أو مدينة يضمهم. وإحساس بأن هناك مشروعًا وطنيًّا، لهم الشرف أن يكونوا جزءًا منه، ولذلك كان التصفيق عفويًّا وحادًّا، نابعًا من الأعماق، عندما ظهر أبناء ليبيا بزيهم الوطني، على الشاشة ولو لثوانٍ معدودة في محفل دولي شاهدهم فيه كل العالم.

وفي الختام إن ما حدث في مسرح الكلية، وما قام به التاجر، يجسد موقفين مختلفين من العقيدة الوطنية، أحدهما يجسد جانبها المعنوي والوجداني، والآخر يجسدها في صورة عمل وسلوك إيجابي. فالعقيدة الوطنية ليست شعارات ترفع، وإنما هي عمل وعطاء. وإذا كان تقديم المصلحة العامة على المصالح الخاصة، وخاصة وقت الأزمات والظروف الصعبة، هي من أسمى صور الانتماء للوطن، فإن العدالة وسيادة القانون وتكافؤ الفرص وتوفر الخدمات، كلها من مقومات البيئة التي تنمو فيها العقيدة الوطنية، والتي تقوم بدورها على حقوق وواجبات، متبادلة بين المواطن والدولة.

ولهذا نحتاج إلى عقيد وطنية واضحة المعالم، جامعة لكل الليبيين، تقوم على المواطنة، نابذة لقانون الشرعية الثورية، وتكون الأولوية للكفاءات والولاء للوطن.

زر الذهاب إلى الأعلى