مقالات الرأي

من الحركة الوطنية إلى الأحزاب الليبية



بقلم/ محمد بوخروبة

ليس تاريخ الأحزاب السياسية في ليبيا تاريخًا طارئًا على البلاد، ولا هو وليد السنوات الأخيرة، بل له جذور تمتد إلى مرحلة النضال الوطني من أجل الاستقلال.. غير أن هذه التجربة على أهميتها لم تتح لها فرصة طويلة كي تنضج وتتراكم، فظلت الحياة الحزبية الليبية أسيرة التحولات السياسية الكبرى التي عرفتها البلاد من الاستقلال إلى مراحل لاحقة اتسمت بتراجع العمل الحزبي ثم عودته إلى المجال العام بعد عام 2011.

في مرحلة ما قبل الاستقلال ظهرت في ليبيا تنظيمات وتجمعات سياسية وطنية كان هدفها الأساسي مقاومة الاستعمار والدفاع عن حق الليبيين في تقرير مصيرهم. ومن أبرز تلك التنظيمات حزب المؤتمر الوطني في طرابلس وجمعية عمر المختار في برقة، إلى جانب تيارات وشخصيات وطنية أخرى.. ولم تكن هذه التنظيمات أحزابًا بالمعنى المؤسسي الذي استقر لاحقًا في الديمقراطيات الحديثة، لكنها مثلت بدايات الوعي السياسي المنظم وأسهمت في تحويل المطالبة بالاستقلال من تطلع شعبي إلى فعل سياسي له أدواته وقياداته وخطابه.

ومع إعلان استقلال ليبيا في 24 ديسمبر 1951، انتقلت البلاد من مرحلة مقاومة الاستعمار إلى مرحلة بناء الدولة.. وكان من الطبيعي أن تظهر خلافات حول شكل الدولة واتجاهاتها وأولوياتها، وأن تتحول بعض التنظيمات الوطنية إلى قوى سياسية تتنافس على التأثير في الحياة العامة، غير أن التجربة الحزبية لم تعمر طويلًا، فقد أفضت أجواء الانتخابات البرلمانية الأولى عام 1952 وما رافقها من توترات سياسية إلى حل عدد من التنظيمات، فتراجعت الحياة الحزبية المنظمة في وقت مبكر من عمر الدولة، وتشير الدراسات التاريخية إلى أن أحداث انتخابات 1952، وما صاحبها من صدامات واعتقالات ونفي لبعض القيادات كانت محطة مفصلية في إنهاء التجربة الحزبية الأولى.

وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق التي ينبغي استحضارها عند قراءة الواقع السياسي الليبي اليوم. ليبيا لم تتح لها فرصة طويلة لبناء تقاليد حزبية متراكمة، فالديمقراطية الحزبية ليست مجرد نصوص قانونية، وإنما خبرة تتكون عبر الزمن يتعلم فيها السياسي كيف يختلف دون خصومة، وكيف يقبل الخسارة وكيف يمارس المعارضة وكيف يسلم السلطة حين تنتهي ولايته وكيف يضع مصلحة الدولة فوق مصلحة التنظيم.

ولذلك فإن عودة الأحزاب إلى المجال العام بعد 2011 كانت بداية جديدة أكثر منها استئنافًا لتجربة مكتملة.. وفي عام 2012 صدر القانون رقم 29 بشأن تنظيم الأحزاب السياسية فعرف الحزب باعتباره تنظيمًا سياسيًّا يمارس نشاطه علنًا وبوسائل سلمية وديمقراطية، من أجل تحقيق برامج معلنة والمشاركة في مسؤولياته.. كما أكد حق الليبيين في تأسيس الأحزاب والانضمام إليها، واشترط علانية أهدافها وبرامجها ومصادر تمويلها، ومنع تشكيلاتها المسلحة واستخدام العنف والتحريض على الكراهية والفتنة.

وهذا الإطار القانوني مهم، لكنه لا يكفي وحده. فالمشكلة الحقيقية ليست في وجود الأحزاب من عدمه، وإنما في نوعية الأحزاب التي نريدها لليبيا.

ليست ليبيا بحاجة إلى أحزاب كثيرة بقدر حاجتها إلى أحزاب حقيقية، أحزاب تمتلك برامج واضحة، وتعرف ماذا تريد للاقتصاد والتعليم والصحة والإدارة المحلية والعدالة والتنمية، ولا تختزل العمل السياسي في الأشخاص والشعارات والمواسم الانتخابية. فالحزب الذي لا يملك برنامجًا قابلًا للنقاش والمحاسبة لا يعدو أن يكون تجمعًا انتخابيًّا مؤقتًا، والحزب الذي يقوم على فرد واحد لا يستطيع أن يكون مدرسة للديمقراطية.

والأهم أن الحزب الليبي مطالب بأن يكون وطنيًّا قبل أن يكون سياسيًّا.. فليبيا اليوم تحتاج إلى قوى سياسية تجمع ولا تفرق، وتخاطب المواطن بوصفه ليبيًّا قبل انتمائه إلى مدينة أو منطقة أو قبيلة. ولا يمكن لحزب أن يقدم نفسه مشروعًا لبناء الدولة إذا كان يعيد إنتاج الانقسامات الاجتماعية داخل المجتمع، أو يجعل من الجغرافيا والهوية المحلية وسيلة للمنافسة السياسية.

ومن مسؤوليات الأحزاب أيضًا أن تكون جسرًا بين المواطن والدولة، وأن تنقل مطالب الناس بصورة منظمة ومسؤولة، وأن تسهم في نشر الثقافة الدستورية والسياسية وتدريب الأجيال الجديدة على المشاركة السلمية وتعزيز احترام القانون والمؤسسات. فالحزب ليس ماكينة انتخابية تعمل في موسم الاقتراع ثم تختفي إنه مؤسسة سياسية يفترض أن تعمل طوال الوقت، تراقب وتقترح وتنتقد وتقدم البدائل.

كما أن الديمقراطية التي تنادي بها الأحزاب يجب أن تبدأ من داخلها. فالحزب الذي لا يعرف التداول في قيادته ولا يحترم مؤسساته الداخلية ولا يسمح بالنقد والمراجعة، يصعب عليه أن يقنع الناس بأنه قادر على إدارة دولة ديمقراطية. وكذلك فإن الشفافية المالية ليست تفصيلًا ثانويًّا، إذ ينبغي أن تكون موارد الحزب ومصادر تمويله وإنفاقه واضحة وقابلة للرقابة، حتى لا تتحول السياسة إلى سوق للمصالح الخفية.

إن المهمة الوطنية للأحزاب الليبية اليوم أكبر من الفوز بمقعد أو تشكيل حكومة.. مهمتها أن تساعد في إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة وبين الليبيين بعضهم بعضًا. وعليها أن تدرك أن الوصول إلى السلطة ليس غاية في ذاته.

لقد علمنا تاريخ ليبيا أن غياب الحياة السياسية المنظمة يترك فراغًا خطيرًا، وأن الفراغ السياسي لا يبقى فارغًا، سرعان ما تملؤه الولاءات الضيقة أو المصالح الفردية أو الصراعات غير المؤسسية. ولذلك فإن بناء أحزاب وطنية ناضجة يمثل جزءًا أصيلًا من بناء الدولة نفسها.

ولا ينبغي أن نخشى الاختلاف الحزبي، بل ينبغي أن نخشى غياب قواعد الاختلاف، فمن الطبيعي أن تختلف الأحزاب في الاقتصاد والسياسات الاجتماعية والإدارة والتنمية، لكن يجب أن تلتقي جميعًا عند ثوابت لا يجوز أن تكون موضع مساومة. وحدة ليبيا وسيادتها وسلامة أراضيها واحتكار الدولة للسلاح واحترام القانون والتداول السلمي على السلطة.

إن ليبيا لا تحتاج إلى أحزاب تبحث عن ليبيا داخل مصالحها، بل إلى أحزاب تبحث عن مصالحها داخل ليبيا.

زر الذهاب إلى الأعلى