مقالات الرأي

النفط الليبي بين طموحات التنمية وتجاوزات السلطة



بقلم /عبد الفتاح الشريف

وجه المهندس محمد عون وزير النفط في 6 أغسطس الجاري كتابًا مرفقًا بعدد من الوثائق لرئيس وأعضاء مجلس النواب والمجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة ورئيس المحكمة العليا – رئيس المجلس الأعلى للقضاء، والسيد المستشار النائب العام ورئيس ديوان المحاسبة ورئيس هيئة الرقابة الإدارية ورئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، دعا فيه إلى وقف العمل بالتعديل الأول لاتفاقية عودة الشركاء في الحقول التي تديرها شركة الواحة للنفط الصادر بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 141 لسنة 2026، واستند السيد الوزير في مطالبته بوقف تنفيذ التعديل على حجج قانونية وسياسية.

ولا يمكن التعامل مع ما يثار حول تجاوزات الجهات التنفيذية في ليبيا في ملف النفط والغاز بوصفه خلافًا إداريًّا أو سجالًا قانونيًّا عابرًا، لأن الأمر يتعلق بالثروة السيادية الأولى في البلاد وبالمورد الذي تعتمد عليه الموازنة وتمويل الخدمات ودفع المرتبات واستيراد السلع وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، ولذلك فإن أي قرار يمس اتفاقيات النفط أو الغاز سواء بالتعديل أو التمديد أو تغيير نسب الشراكة أو منح امتيازات جديدة يجب أن يتم تناوله من زاويتين معًا، زاوية المشروعية القانونية وزاوية الأثر الاقتصادي والتنموي طويل المدى.

 فالسلطة التنفيذية من الناحية القانونية ليست مالكة للثروة، بل مـؤتمنة على إدارتها باسم الشعب، وفق القوانين والتشريعات النافذة، ولا يجوز لها أن تتصرف فيها خارج حدود الاختصاص أو بعيدًا عن الرقابة، وتزداد حساسية الأمر عندما تكون الحكومة انتقالية أو محل خلاف سياسي أو فاقدة للثقة من جهة تشريعية، حيث يفترض أن تقوم مثل هذه الحكومات بتسيير المرافق العامة وتجنب إبرام التزامات استراتيجية طويلة المدى قد تقيد الدولة والحكومات القادمة، ومن هنا تأتي أهمية احترام قرارات المؤسسات التشريعية والرقابية والأحكام القضائية، لأن تجاوزها لا يضعف فقط شرعية القرار بل يهز ثقة المواطن والمستثمر في الدولة نفسها.

الجانب القانوني ليس وحده جوهر القضية، فالنفط في ليبيا ليس مجرد سلعة تباع في الأسواق العالمية، بل هو قاعدة الاقتصاد الوطني ومصدر تمويل التنمية، وعندما تدار الاتفاقيات النفطية بلا شفافية فإن المخاطر لا تتوقف عند احتمال مخالفة القانون، بل تمتد إلى خسارة فرص تنموية وتراجع نصيب الدولة من العوائد وربما خلق التزامات مالية وفنية لا تظهر آثارها إلا بعد سنوات، فالاتفاقية النفطية الجيدة ليست تلك التي تجذب الشركات الأجنبية فقط، بل التي توازن بين جذب الاستثمار وحماية المصلحة الوطنية وبين تطوير الحقول النفطية وزيادة الإنتاج وضمان حصة عادلة للدولة.

تحتاج ليبيا من الناحية الاقتصادية إلى استثمارات ضخمة في الاستكشاف والتطوير والصيانة ورفع كفاءة الحقول والبنية التحتية للتصدير ومعالجة الغاز وتقليل الحرق والهدر، غير أن الحاجة إلى الاستثمار لا تبرر التفريط في شروط التعاقد أو تجاوز مؤسسات الدولة، فالاستثمار الحقيقي يقوم على الحوكمة والوضوح لا على الغموض والاستعجال، وكلما كانت إجراءات الدولة أكثر شفافية واستقرارًا زادت قدرتها على التفاوض من موقع قوة لتتمكن من جذب الشركات الجادة بدلًا من فتح الباب أمام صفقات مثيرة للشكوك.

أما من المنظور الثانوي فإن السؤال الأهم هو كيف تتحول عوائد النفط إلى مدارس وجامعات ومستشفيات وكهرباء وفرص عمل وبنية تحتية في قطاع المواصلات والاتصالات (طرق وموانئ ومطارات).

إن المشكلة في ليبيا ليست فقط في إنتاج النفط، بل في إدارة العائدات وتوظيفها بكفاءة، فالثروة النفطية قد تتحول إلى نعمة إذا خضعت للإدارة الرشيدة، وقد تتحول إلى عبء إذا تمت إدارتها بمنطق المحاصصة والغموض والقرارات المنفردة، ولهذا فإن حماية الاتفاقيات السيادية من العبث ليست مطلبًا قانونيًّا فقط، بل شرط أساسي لنجاح التنمية المستدامة.

إن أي شبهات حول تعديل اتفاقيات أو منح امتيازات أو تجاهل أحكام قضائية وقرارات رقابية تستدعي الوقف الفوري للإجراءات محل الجدل إلى جين مراجعتها والبت فيها من خلال تحقيق مؤسسي مستقل ونشر المعلومات الأساسية للشعب الليبي صاحب الثروة دون الإضرار بالأسرار التجارية المشروعة، كما ينبغي تمكين ديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية والنيابة العامة من أداء دورها والتحقيق في المخالفات والتجاوزات بعيدًا عن الضغوط السياسية لمعرفة الجهة التي اقترحت التعديل، ومن قام بالتفاوض؟ وهل تم القيام بدراسة الجدوى الاقتصادية لهذا التعديل؟ وهل تم استشارة الجهات الرقابية والحصول على موافقتها بالخصوص، وفي النهاية يبقى النفط ملكًا للشعب الليبي لا للحكومات المؤقتة ولا للمسؤولين العابرين، وأي تصرف في هذه الثروة يجب أن يخضع للقانون والمصلحة الاقتصادية والرؤية التنموية، فالدول لا تبنى بالصفقات الغامضة، بل بالمؤسسات والشفافية والمحاسبة وحسن إدارة الموارد للأجيال الحالية والقادمة.

زر الذهاب إلى الأعلى