مقالات الرأي

الجندر الليبي وصراع الهوية



بقلم / عفاف الفرجاني

لم تعد قضية الميول الجنسية أو الهوية الجندرية في الغرب مجرد نقاش اجتماعي محدود، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل المجتمعات الغربية، بعد انتقالها من نطاق الحريات الفردية إلى مجالات التعليم والقوانين والإعلام.

ففي عدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة، ظهرت سياسات تعليمية تعترف بما يسمى “الهوية الجندرية”، حيث أصبح بعض الطلاب قادرين على طلب التعامل معهم وفق هوية جندرية مختلفة عن الجنس المسجل عند الولادة. هذه السياسات أثارت انقسامًا واسعًا بين من يعتبرها حماية للأطفال من التنمر والإقصاء، ومن يرى أنها تفتح بابًا لأسئلة معقدة حول دور الأسرة وسن الأطفال وقدرتهم على اتخاذ قرارات مرتبطة بالهوية.

وفي المقابل، بدأت أصوات سياسية واجتماعية داخل الغرب نفسه تعارض بعض هذه التوجهات، معتبرة أن الطفولة مرحلة تحتاج إلى الحذر، وأن القرارات المرتبطة بالهوية الجنسية يجب ألا تنفصل عن دور الوالدين والاعتبارات الطبية والنفسية. كما شهدت بعض الدول معارك قانونية وسياسية حول حدود تدخل المؤسسات التعليمية في هذه القضايا.

لكن المفارقة التي يطرحها كثيرون في المجتمعات العربية تتمثل في ازدواجية التعامل مع القضايا الأخلاقية ففي الوقت الذي تتعرض فيه المرأة لحملات قاسية بسبب ظهورها على منصات التواصل الاجتماعي، رغم كونها طبيبة أو مهندسة أو صحفية أو شخصية ناجحة، تُرفع ضدها شعارات تتعلق بالمظهر والدين، بينما لا تُناقش قضايا أخرى أكثر حساسية في الفضاء العام وتثير مستوى من الغضب، لكونها لا تخضع للمحاسبة. وهو ما يطرح سؤال: هل أصبح تطبيق المعايير الأخلاقية انتقائيًا أم شاملًا؟

هذا الجدل لم يعد محصورًا داخل حدود الغرب، بل انتقل عبر الإعلام والمنصات الرقمية إلى مختلف أنحاء العالم، ومنها المجتمعات العربية والإسلامية، حيث يواجه رفضًا شعبيًّا واسعًا بسبب اختلاف المرجعيات الدينية والثقافية التي تنظر إلى مفهوم الجنس باعتباره مرتبطًا بالبيولوجيا والطبيعة الإنسانية.

وفي ليبيا، بدأت بعض مظاهر هذا النقاش تظهر عبر منصات التواصل الاجتماعي، خصوصًا تطبيقات مثل “تيك توك”، التي سمحت بظهور محتوى كان سابقًا محدود الانتشار. واليوم أصبح معتادًا وطبيعيًّا، وهذا في تقديري يأخذني إلى السؤال: هل نحن أمام تغير اجتماعي حقيقي أم أمام تأثير لمنصات رقمية تضخم بعض الظواهر وتمنحها حضورًا أكبر من حجمها؟

المشهد العالمي اليوم يكشف أن قضية الجندر ليست محل اتفاق حتى داخل الدول التي نشأت فيها، بل أصبحت ساحة صراع فكري بين تيار يرى أنها امتداد لحقوق الإنسان والحريات الفردية، وتيار يرى أنها مواجهة مع مفاهيم راسخة حول الأسرة والطبيعة والهوية الإنسانية.

وبين هذا وذاك، يبقى التحدّي أمام المجتمع الليبي المحافظ هو كيفية التعامل مع هذه التحوّلات العالمية دون فقدان هويتنا.

علينا مسؤولية حماية أطفال ليبيا، لتبدأ من الأسرة بنسبة 70٪، والدور الثاني يأتي من توعية المدارس، أما فكرة إغلاق التطبيقات، فهي فاشلة، طالما نحن نسبح داخل التقنيات الإلكترونية.

زر الذهاب إلى الأعلى