مقالات الرأي

عمران السلام



بقلم/ هدى حامد الزوي

ترتبط هندسة المدن وتخطيطها ارتباطًا وثيقًا بنفوس قاطنيها؛ فالشوارع والساحات والمباني ليست مجرد هياكل صلبة صامتة، بل هي المسرح الفعلي الذي تتشكل عليه السلوكيات وتنمو فيه العلاقات الإنسانية. ومن هنا، يبرز مفهوم عمارة السلام كفلسفة رائدة ومفهوم تنموي عميق يتجاوز حدود التصميم الهندسي الجاف، ليغوص في أبعاد اجتماعية وسياسية ونفسية تهدف إلى التعافي الشامل للمجتمعات التي عانت من الحروب. إن هذه العمارة تسعى إلى توظيف الفضاء المبني كأداة توجيه سلوكي إيجابي، يعمل على مد الجسور وتقليص المسافات النفسية والاجتماعية بين السكان.

في مدننا الليبية التي شهدت سنوات من الانقسام والنزاعات المحلية، يمثل تبني عمران الدمج القائم على حساسية السياق المحلي مخرجًا حقيقيًّا لتحقيق المصالحة الوطنية الراسخة. فالهدف هنا ليس مجرد رصف الطرقات أو بناء واجهات لامعة مستغربة، بل صياغة فضاء اجتماعي حي في ليبيا يجمع المواطنين تحت سقف الانتماء المشترك، ويهيئ لجميع فئات المجتمع وبخاصة في المجتمعات المنقسمة فرصة حقيقية للعيش المشترك بأمان والاندماج الاقتصادي والاجتماعي اليومي الفعال.

يؤكد خبراء الاجتماع الحضري أن التخطيط العمراني الذكي يمتلك قدرة فائقة على توجيه سلوك الأفراد داخل المجتمع. فعندما تُبنى الأحياء السكنية بنظام الجدران العازلة العالية والشوارع المغلقة والساحات الترابية الموحشة، تزداد حتمًا مشاعر التوجس والحيطة بين السكان، وينمو دافع الانعزال والريبة. في المقابل، يرتكز عمران الدمج على خلق بيئة حضرية نفاذة وصديقة للمشاة، حيث تذوب الحواجز البصرية المصطنعة وتفسح المجال أمام خطوط بصرية مفتوحة تمنح الجميع شعورًا متبادلًا بالأمان والمراقبة الطبيعية الهادئة للأحياء.

لا تدور عجلة التخطيط العمراني في فراغ، بل تستند إلى تراكم غني من التجارب الإنسانية الدولية التي وظفت الفضاء المبني لإعادة توطيد العلاقات في المجتمعات المنقسمة. من كوبري موستار الشهير في البوسنة الذي أعيد بناؤه ليرمز لتلاقي الثقافات، ارتكز المدخل الحضري وعمران الدمج على إعادة إعمار الرموز الحضرية المشتركة كالحصون والجسور التاريخية. وقد تمثلت أداة نزع فتيل النزاعات المطبقة في ربط ضفتي المدينة المنقسمة بجسر فيزيائي وروحي يعيد بناء نسيج المشاة اليومي. وتجلى أثر التصميم التشاركي في إشراك الحرفيين المحليين في اختيار الحجر التقليدي لتعزيز فخر الهوية الوطنية.

أما في رواندا (نموذج إيميدوغودو)، فقد اعتمد المدخل الحضري وعمران الدمج على تصميم قرى سكنية موحدة مجهزة بمرافق خدمية مشتركة للجميع. وتجسدت أداة نزع فتيل النزاعات في دمج الضحايا والخصوم في مجمعات سكنية متجاورة تمنع جغرافيًّا الفصل العرقي.

وفيما يخص تجربة أيرلندا الشمالية (بلفاست)، تمثل المدخل الحضري وعمران الدمج في تحويل جدران الفصل الحجرية لخطوط تماس خضراء وممرات للمشاة. وجاءت أداة نزع فتيل النزاعات المطبقة عبر إزالة الحواجز تدريجيًّا وإدخال بوابات عبور تفتح بالنهار وتربط الأسواق بالمدارس.

تمتلك الحالة الليبية خصوصية اجتماعية معقدة؛ حيث تتداخل الهياكل القبلية مع التموضعات السياسية والمناطقية، وتتجسد الجروح الحضرية في مساحات واسعة من الدمار وركام مخلفات الحروب في مدن مثل بنغازي، ودرنة، وسرت، وطرابلس. إن مواجهة هذه التحديات تقتضي التزامًا صارمًا بحساسية السياق المحلي؛ فالليبيون يمتلكون رابطًا عاطفيًّا وثيقًا بفكرة “الواحة” الحاضنة والآمنة، وهو ما ينبغي أن يستلهمه عمران الدمج لتجنب الأنماط الغربية الدخيلة الباردة التي تشعر المواطن بالاغتراب والضياع الحسي.

إن الإطار التطبيقي المقترح يرتكز على استخدام التخطيط الحضري كأداة تحول حقيقي، من خلال إطلاق بروتوكول هندسي واجتماعي متكامل يربط المجموعات السكنية في المجتمعات المنقسمة عبر مشاريع تنموية مجهرية كبرى. يهدف هذا الإطار إلى إنتاج فضاء اجتماعي حي في ليبيا يتمتع بالاستقلالية والمناعة الاجتماعية، ويتحرك فيه الأفراد بحرية كاملة دون خوف أو عوائق بصرية مصطنعة.

لضمان بقاء هذه المشاريع في دائرة الفاعلية والبعد عن الشعارات النظرية، يتعين على الجهات المشرفة وضع مؤشرات قياس أداء صارمة تقيس مدى نجاح عمران السلام في تأهيل المدن. تشمل هذه المؤشرات: “معدل الدمج الاجتماعي البصري” (تقييم حرية عبور المشاة وتنوع قاطني الفضاء العام)، و”مؤشر تكرار اللقاءات العفوية” (رصد كثافة زيارة الساحات المشتركة)، إضافة إلى “معدل الحد من العنف في مناطق التماس السابقة” كبرهان عملي على تراجع مسببات الاحتقان واستبدالها بروابط التآخي والتنمية الاقتصادية البينية النشطة.

 إن دمج التخطيط العمراني الذكي وممارسات التصميم التشاركي يسهم -بشكل فعال وملموس- في تحويل ركام النزاعات وأطلال الماضي الحزين إلى فضاء اجتماعي حي في ليبيا يشع بالخضرة والنور، ويقود مجتمعاتنا المنقسمة بأمان ورسوخ نحو غد واعد وبناء نظيف ومستدام.

إن التزام معماريينا وبلدياتنا ونقاباتنا بمتطلبات عمارة السلام وتطوير حلول الدمج وحساسية السياق المحلي سيكتب صفحة جديدة من الفخر والكرامة في تاريخ الإعمار والنهضة ببلادنا الحبيبة؛ لنسير جميعًا بخطى واثقة وعلم رصين وعزيمة لا تلين لتشييد صروح السلم والنماء، ونترك للأجيال الصاعدة مدنًا مزدهرة تنبض بالحياة والمحبة والوفاق، وتظل آمنة ومستقرة ومكتفية بعون الله العلي القدير وتضامن سواعد أبنائها المخلصين الأخيار.

زر الذهاب إلى الأعلى