مقالات الرأي

من عُظمى إلى عَظْمةٍ يتقاسمها الطامعون


بقلم/ آيات الزربي

لم تكن ليبيا يومًا مجرد حدودٍ تُرسم على الخرائط، ولا أرضًا تختزلها الجغرافيا، بل كانت وطنًا يحمل من العزة ما جعل اسمه يقترن بالهيبة والسيادة والاستقلال. كانت دولةً ذات قرارٍ واحد، وصوتٍ واحد، وجيشٍ واحد، وشعبٍ واحد، تتسع لكل أبنائها تحت راية الوطن، وكانت ثرواتها تُدار بإرادةٍ وطنيةٍ خالصة، لا تتحكم فيها المصالح الخارجية، ولا تعبث بها أطماع المتصارعين.

لكن السنوات العجاف التي مرت بها ليبيا لم تُسقط نظامًا سياسيًّا فحسب، بل أثقلت كاهل الوطن بانقساماتٍ مزقت وحدته، وأرهقت مؤسساته، وفتحت أبوابه للتدخلات الأجنبية التي جعلت السيادة الوطنية محلَّ تساؤل. تراجع الاقتصاد، وضاقت سبل العيش بالمواطن البسيط، وأصبح الليبي يبحث عن الأمن قبل الرخاء، وعن الاستقرار قبل الازدهار، وعن وطنٍ يحتضنه بعد أن أثقلته سنوات الانقسام.

وبين صراع المصالح وتنازع السلطات، أصبحت ليبيا ساحةً تتقاطع فيها المشاريع الإقليمية والدولية، حتى بات الوطن الذي كان يومًا عُظمى، عَظْمةً يتقاسمها الطامعون. ولم يكن الثمن سياسيًّا فحسب، بل كان إنسانيًّا واجتماعيًّا أيضًا، إذ دفعت الأسر الليبية ثمن الانقسام تهجيرًا وغيابًا وفقدًا، وتوارثت بعض الأجيال لغة الخصومة بدلًا من لغة التآخي، حتى أصبح الليبي غريبًا عن أخيه الليبي، وغريبًا عن وطنه في بعض الأحيان.

إن ما تعيشه ليبيا اليوم لا يحتاج إلى تسوياتٍ مؤقتة بقدر حاجته إلى مشروعٍ وطنيٍ شامل، عنوانه المصالحة الوطنية الحقيقية، تلك التي لا تُقصي أحدًا، ولا تُبنى على الغالب والمغلوب، ولا تجعل الاختلاف السياسي سببًا للقطيعة الوطنية. فالوطن لا يُبنى بنصف أبنائه، ولا ينهض إذا ظل بعضهم خارج حدوده أو خلف قضبانه أو محرومًا من حقه في العودة إليه.

إن المصالحة الوطنية ليست شعارًا سياسيًّا يُرفع في المناسبات، بل هي مسؤوليةٌ تاريخية تقع على عاتق جميع الليبيين. إنها دعوةٌ للتصالح مع الذات أولًا، ثم مع الآخر، ومع كل الأطراف الليبية دون استثناء. فليبيا أكبر من أن يحتكرها تيارٌ سياسي، أو تختزلها مرحلةٌ تاريخية، أو تُحصر في لونٍ واحدٍ من ألوانها الوطنية.

ومن هنا، فإن المصالحة الحقيقية تبدأ بفتح صفحةٍ جديدة بين أبناء الوطن الواحد، قائمةٍ على الحوار، والعدالة، وجبر الضرر، واحترام الكرامة الإنسانية، بعيدًا عن خطاب الإقصاء والانتقام. فلا غالب في ليبيا إلا الوطن، ولا خاسر فيها إلا استمرار الفرقة والانقسام.

كما أن الإفراج عن الأسرى والمعتقلين السياسيين وغير السياسيين، وتسوية أوضاعهم وفقًا للقانون والعدالة، يُعد من أهم ركائز المصالحة الوطنية الشاملة. فالأوطان لا تُبنى بالأحقاد، ولا تُداوى جراحها باستمرار المعاناة. إن إنهاء هذا الملف الإنساني يمثل خطوةً جوهرية نحو استعادة الثقة بين أبناء الشعب الواحد، وإرسال رسالةٍ واضحة بأن ليبيا اختارت طريق العدالة والمصالحة، لا طريق الانتقام وتصفية الحسابات.

ولا تكتمل المصالحة الوطنية ما لم تشمل عودة جميع المهجَّرين الليبيين إلى وطنهم آمنين مكرمين، بعد سنواتٍ طويلة من الغربة والحرمان. إن الوطن الذي يشتاق أبناؤه إليه، لا يجوز أن يُغلق أبوابه في وجوههم. فعودة المهجَّرين ليست مِنَّةً من أحد، بل حقٌ أصيلٌ تكفله لهم إنسانيتهم قبل انتمائهم الوطني، ولا ينبغي أن تبقى رهينةً للخلافات والانقسامات السياسية.

ومن هذا المنطلق، فإن عودة المهجَّرين الليبيين في الخارج، وفي مقدمتهم رموز النظام الجماهيري وغيرهم من أبناء ليبيا الذين حالت ظروف السنوات الماضية دون عودتهم، تمثل جزءًا لا يتجزأ من مشروع المصالحة الوطنية الشاملة، في إطار القانون وسيادة الدولة وضمان حقوق الجميع. فالمصالحة التي تستثني فئةً من أبناء الوطن ليست مصالحة، والوطن الذي لا يحتضن جميع أبنائه يبقى وطنًا ناقصًا مهما رُفعت فيه الشعارات.

إن ليبيا ليست ملكًا لمرحلةٍ سياسية دون أخرى، ولا لجيلٍ دون غيره، بل هي إرثٌ يتقاسمه جميع أبنائها على اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم. وإن رموز النظام الجماهيري جزءٌ من التاريخ السياسي الليبي، سواء اتُّفِق معهم أو اختُلِف حولهم، ولا يمكن بناء مستقبل الوطن بإلغاء جزءٍ من تاريخه أو استبعاد شريحةٍ من أبنائه. فالوطن لا يكتمل إلا بجميع أبنائه، والمصالحة الحقيقية هي التي تعيد الإنسان إلى وطنه قبل أن تعيد السياسة إلى مسارها الصحيح.

كما أن جبر الضرر وتعويض المتضررين وإنصاف المظلومين يمثل أحد أهم أعمدة المصالحة الوطنية، فلا يمكن الحديث عن مستقبلٍ مزدهر دون معالجة جراح الماضي بروح العدالة والإنصاف. إن بناء السلام الحقيقي لا يكون بنسيان الآلام، وإنما بمعالجتها بما يحفظ للإنسان كرامته وللوطن وحدته.

إن ليبيا اليوم بحاجةٍ إلى مشروعٍ وطني جامع، يعيد للسيادة معناها، وللمصالحة مكانتها، وللدولة هيبتها، وللمواطن ثقته بوطنه. مشروعٌ يُعيد توحيد المؤسسات، ويحفظ استقلال القرار الوطني، ويغلق أبواب التدخل الخارجي، ويؤسس لدولة القانون التي يكون جميع أبنائها متساوين في الحقوق والواجبات.

فليبيا لم تُخلق لتكون غنيمةً تُقتسم بين الطامعين، ولا لتُقسَّم بين المصالح المتصارعة، بل خُلقت لتكون وطنًا واحدًا لكل أبنائها. وطنًا لا يعرف الإقصاء، ولا يُورِّث أبناءه الخصومة، بل يجمعهم على المحبة والانتماء والكرامة.

وستبقى ليبيا أكبر من خلافاتنا، وأبقى من انقساماتنا، وأعظم من كل المراحل التي مرت بها. وستعود كما كانت وأكثر قوةً إذا ما تصالح الليبي مع أخيه الليبي، وعاد المهجَّر إلى أرضه، وأُطلق سراح المعتقل، وجُبر ضرر المتضرر، وتوحدت كلمتنا تحت راية وطنٍ واحد لا يُقصي أحدًا ولا يتخلى عن أحد، فالأوطان لا تُقاس بما تملك من ثرواتٍ فحسب، بل بما تحتضنه من أبنائها. وليبيا تستحق أن تعود وطنًا للجميع، لا يُسأل فيه الليبي: مع من كنت؟ بل يُقال له: مرحبًا بك في وطنك.

إن عظم انتصارٍ يمكن أن تحققه ليبيا اليوم ليس انتصارَ طرفٍ على آخر، بل انتصارُ الوطن على جراحه، وانتصارُ المصالحة على الانقسام، وانتصارُ الوحدة الوطنية على الفرقة، ليكون ولاء الجميع لليبيا وحدها، ومستقبلها فوق كل اعتبار.

زر الذهاب إلى الأعلى