ملفات وتقارير

الزاوية بعد 15 عامًا.. مدينة بين سطوة السلاح واقتصاد الظل واختبار الدولة الليبية

تحقيق/ عفاف الفرجاني

منذ سقوط طرابلس عام 2011، لم تكن الزاوية مجرد مدينة ليبية عاشت تداعيات مرحلة انتقالية مضطربة، بل تحولت مع مرور السنوات إلى نموذج مصغر للأزمة الليبية بكل تعقيداتها.

مدينة تقع على بعد عشرات الكيلومترات غرب العاصمة، وتمتلك موقعًا استراتيجيًّا على الساحل، وتحتضن منشآت اقتصادية مهمة، لكنها في الوقت نفسه أصبحت مرتبطة في الوعي الشعبي الليبي بملفات السلاح والتهريب والصراعات المسلحة.

والسؤال الذي ظل يتكرر طوال السنوات الماضية:

كيف وصلت مدينة بهذا الحجم إلى مرحلة أصبحت فيها الدولة عاجزة عن فرض سلطتها الكاملة داخلها؟

السلاح خارج المؤسسات

منذ عام 2011، وبعد انهيار المؤسسة الأمنية والعسكرية التي كانت قائمة في عهد النظام الجماهيري، انتشرت الأسلحة بشكل واسع، وظهرت عشرات التشكيلات المسلحة التي بدأت في البداية تحت عناوين ثورية وأمنية، قبل أن تتحول لاحقًا إلى قوى ذات نفوذ مستقل، تمتلك السلاح والقدرة على فرض شروطها على الأرض.

وكانت الزاوية من المدن التي شهدت مبكرًا صعود هذه التشكيلات، بسبب موقعها الجغرافي القريب من طرابلس، ووجودها على الساحل، وقربها من طرق تجارية وبحرية مهمة.

ومع مرور الوقت، لم تعد القضية مرتبطة فقط بوجود مجموعات مسلحة، بل ظهرت أسئلة أكبر حول العلاقة بين السلاح والاقتصاد والنفوذ السياسي.

كيف يمكن لمدينة أن تحتوي على أجهزة أمنية رسمية، وفي الوقت نفسه تبقى فيها قوة السلاح غير الرسمي أكثر تأثيرًا؟

هذا هو جوهر التحقيق الاستقصائي الأمني.

دولة داخل الدولة

منذ سنوات، تطرح الزاوية نفسها كواحدة من أكثر الملفات الأمنية تعقيدًا أمام الحكومات الليبية المتعاقبة.

ففي الوقت الذي توجد فيه وزارة الداخلية وأجهزة أمنية واستخباراتية في طرابلس، بقيت قدرة هذه المؤسسات على فرض حضورها الكامل داخل بعض المناطق محدودة، بسبب تعقيدات المشهد المسلح.

وعلى امتداد خمسة عشر عامًا، لم يمر على مدينة الزاوية أسبوع دون جريمة قتل، وفق ما وثقته صحيفة الموقف الليبي من خلال تقرير حمل عنوان:

“جرائم المليشيات”، وتشير مصادر الصحيفة إلى أن المشكلة لم تكن فقط في قوة الجماعات المسلحة، بل في أن الحكومات المتعاقبة اعتمدت في أوقات كثيرة على التفاهمات مع القوى الموجودة على الأرض بدلًا من بناء مؤسسة أمنية موحدة قادرة على فرض القانون على الجميع.

وقد ساهمت هذه السياسة في تعزيز نفوذ تلك القوى واتساع حضورها، وأصبحت بعض المدن تمتلك مراكز قوة محلية قادرة على التفاوض مع الدولة بدلًا من الخضوع الكامل لها.

وباتت المجموعات المسلحة في المدينة ذات نفوذ واسع؛ بعضها يحمل صفة رسمية أو شبه رسمية، وبعضها الآخر خارج إطار المؤسسات، ما جعل المشهد أكثر تعقيدًا.

لماذا تخشى الدولة المواجهة؟

يُعد هذا السؤال من أكثر الأسئلة حساسية في هذا التحقيق: هل عدم دخول المؤسسات الأمنية إلى الزاوية سببه العجز، أم حسابات سياسية وأمنية؟

فأي عملية أمنية واسعة داخل مدينة تحتوي على جماعات مسلحة تمتلك أسلحة متوسطة وثقيلة قد تتحول إلى مواجهة مفتوحة، وهو ما جعل الحكومات تخشى من تكرار سيناريوهات الصدام التي شهدتها مدن أخرى. لكن في المقابل، يرى مراقبون أن استمرار هذا الوضع أدى إلى تكريس فكرة أن السلاح أقوى من القانون، وأن أي مجموعة تمتلك قوة عسكرية على الأرض تستطيع فرض وجودها والحصول على مساحة من النفوذ.

اقتصاد الظل

لا يمكن فهم ملف الزاوية الأمني من دون النظر إلى الاقتصاد الموازي الذي نشأ بعد عام 2011. فالمدن الساحلية الغربية في ليبيا أصبحت خلال السنوات الماضية جزءًا من شبكات تهريب مختلفة، تشمل الوقود والسلع والبشر، مستفيدة من ضعف الرقابة الحدودية والانقسام السياسي.

كما كان لتداخل أطراف أجنبية ومافيات ذات مصالح اقتصادية وسياسية دور في تفاقم الأزمة وتعقيد المشهد.

ويُعد وجود مصفاة الزاوية وموقع المدينة الساحلي من أكثر العوامل التي جعلت ملف الوقود تحديدًا من الملفات الحساسة. حيث ارتبط اقتصاد الوقود غير المشروع في ليبيا بشكل عام، والزاوية بشكل خاص، بالجماعات المسلحة، حتى أصبحت الأنشطة غير الرسمية مصدر نفوذ وتمويل لهذه الجماعات.

ويبقى السؤال مفتوحًا: من المستفيد الحقيقي من استمرار اقتصاد الفوضى؟ هل هم المهربون فقط، أم أن هناك أطرافًا أخرى، أم أن هناك شبكة أكبر تضم أطرافًا اقتصادية وسياسية وأمنية؟

ملف المخدرات والتهريب.. تحدٍّ أمني يتجاوز حدود المدينة

من ضمن الملفات الشائكة التي تواجهها مدينة الزاوية، يبرز ملف المخدرات والتهريب باعتباره أحد أبرز التحديات الأمنية التي تفاقمت خلال السنوات الماضية.

فالزاوية ليست فقط مدينة ساحلية، بل تقع ضمن منطقة غربية شهدت نشاطًا متزايدًا لشبكات تهريب مختلفة، بحرًا وبرًّا، مستفيدة من الظروف الأمنية المعقدة وضعف الرقابة وتعدد القوى المؤثرة على الأرض. لكن السؤال الذي يطرحه التحقيق: هل الزاوية مجرد نقطة عبور ضمن شبكة أكبر، أم أنها أصبحت سوقًا محلية لهذه المواد بسبب ضعف الرقابة وانتشار السلاح؟

وفي آخر التقارير التي نشرت في يونيو 2026، أعلنت وكالة الأنباء الليبية عن إتلاف كميات من المواد المخدرة تحت إشراف نيابة مكافحة المخدرات الزاوية، وقالت إن الضبطيات التي تمت خلال الفترة من أغسطس 2025 حتى يونيو 2026 شملت نحو 70 ألف قرص من المؤثرات العقلية، وأكثر من 3 كيلوغرامات من الحشيش، ونحو 6 كيلوغرامات من الكوكايين.

وتكشف هذه الأرقام حجم التحديات التي تواجه الأجهزة الأمنية في مواجهة شبكات منظمة لا تقتصر أنشطتها على مدينة واحدة، بل ترتبط بمسارات تهريب إقليمية.

جذور عوامل انتشار التهريب

الموقع الجغرافي

تمتلك الزاوية موقعًا ساحليًّا استراتيجيًّا، وتقع بالقرب من طرق بحرية وبرية مهمة، وهو ما جعلها جزءًا من البيئة التي تتحرك فيها شبكات التهريب في المنطقة.

كما أن قربها من العاصمة ووجود منشآت اقتصادية حيوية زادا من أهمية المدينة، وجعلاها محل اهتمام مختلف القوى التي تسعى إلى النفوذ والسيطرة.

ضعف السيطرة الأمنية

بعد عام 2011، أدى انتشار السلاح وتعدد القوى المسلحة إلى صعوبة فرض رقابة أمنية موحدة على كامل المناطق. فغياب مؤسسة أمنية وعسكرية موحدة تمتلك القدرة الفعلية على بسط نفوذها، خلق فراغًا سمح بظهور شبكات تعمل خارج إطار القانون.

ومع مرور الوقت، لم تعد المشكلة مرتبطة فقط بوجود مهربين، بل أصبحت مرتبطة بمنظومة أكثر تعقيدًا تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع النفوذ المسلح.

الاقتصاد غير الرسمي

لم يعد التهريب في ليبيا ظاهرة منفصلة، بل أصبح مرتبطًا باقتصادات غير رسمية تشمل الوقود والهجرة غير النظامية والسلع غير القانونية.

وقد ساهم الانقسام السياسي وضعف المؤسسات في توسع هذه الأنشطة، وتحول بعضها إلى مصادر تمويل ونفوذ لقوى مختلفة.

وأشار تقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة حول ديناميات تهريب المخدرات في ليبيا إلى أن البلاد أصبحت نقطة عبور إقليمية، مع تزايد تهريب المواد المخدرة وارتفاع استخدام بعض المواد داخل البلاد.

تهريب الوقود.. من نشاط غير قانوني إلى منظومة نفوذ

تحولت المنطقة الغربية، وبالأخص محيط مصفاة الزاوية، إلى نقطة محورية في شبكات تهريب الوقود المدعوم. وتشير تقارير بحثية إلى أن حجم توزيع الوقود عبر الزاوية ارتفع من نحو 1.2 مليون لتر أسبوعيًّا قبل عام 2011 إلى قرابة 4 ملايين لتر أسبوعيًّا خلال السنوات الأخيرة، في ظل وجود فروقات كبيرة بين سعر الوقود المدعوم في ليبيا والأسعار في دول الجوار.

كما وثقت تقارير لجنة خبراء مجلس الأمن وجود شبكات منظمة تستفيد من ضعف الرقابة والانقسام الأمني، وأن تهريب الوقود أصبح مرتبطًا بنفوذ مجموعات مسلحة تسيطر على طرق النقل والحماية. وتسبب ذلك في خسائر مالية كبيرة للدولة الليبية، وأثر على توفر الوقود للمواطنين. ولم يعد الملف مجرد عمليات فردية يقوم بها أفراد أو مجموعات صغيرة، بل أصبح جزءًا من منظومة اقتصادية معقدة تجمع بين التهريب والسلاح والنفوذ المحلي.

وتشير تقارير دولية إلى أن السيطرة على موارد الطاقة في غرب ليبيا تحولت إلى أحد أسباب استمرار الصراع على السلطة والثروة.

السلاح والاقتصاد.. علاقة كرَّست استمرار الأزمة

في مناطق الصراع الليبي، لم يعد السلاح مرتبطًا فقط بالسيطرة العسكرية، بل أصبح مرتبطًا بمصادر دخل ومصالح اقتصادية متشابكة. فالقوة المسلحة تمنح القدرة على السيطرة على الطرق والمنافذ ومواقع الإنتاج والنقل، بينما توفر الأنشطة غير الرسمية موارد مالية تعزز نفوذ هذه القوى.

ومنذ عام 2011، لم تنجح ليبيا في بناء جهاز أمني وعسكري موحد يملك سلطة فعلية على كامل الأراضي، الأمر الذي سمح ببقاء قوى موازية تنافس الدولة.

الزاوية.. اختبار حقيقي لقدرة الدولة على استعادة هيبتها

في هذا التحقيق، وضعنا بين أيديكم أبرز الملفات التي تعاني منها مدينة الزاوية خلال خمسة عشر عامًا من التحولات الأمنية والسياسية، وهي سنوات كشفت أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بانتشار السلاح أو ضعف المؤسسات، بل أصبحت مرتبطة بتداخل القوة العسكرية مع النفوذ السياسي والاقتصادي. فتجربة الزاوية تعكس حالة أوسع من تعقيدات الدولة الليبية، حيث أصبحت مراكز القوة لا تُقاس فقط بعدد العناصر أو حجم الترسانة العسكرية، بل بقدرتها على التأثير في القرار العام، والتحكم في مسارات اقتصادية وأمنية مهمة.

فالمدينة لم تعد تواجه تحديات أمنية تقليدية، بل أصبحت جزءًا من مشهد معقد تتداخل فيه عوامل عدة؛ انتشار السلاح، ضعف المؤسسات، الاقتصاد غير الرسمي، وشبكات المصالح التي تشكلت خلال سنوات الانقسام.

بين مؤسسات الدولة والقوى الموازية

على الرغم من امتلاك طرابلس تشكيلات أمنية وعسكرية متعددة، من وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية إلى وزارة الدفاع والتشكيلات المسلحة ذات التسليح الثقيل، فإنها لم تستطع فرض نفوذها الكامل داخل الزاوية.

فالمدينة لا تملك فقط قوة السلاح والقرار الأمني، بل تمتلك أيضًا نفوذًا سياسيًّا عبر شخصيات وقوى مؤثرة داخل المشهد الليبي. وهنا يبرز التحدي الأكبر أمام الدولة الليبية:

كيف يمكن إنهاء حالة تعدد مراكز القوة، وإعادة بناء مؤسسة أمنية موحدة تكون فيها سلطة القانون فوق أي نفوذ آخر؟

الخلاصة

تبقى الزاوية واحدة من أكثر الملفات حساسية في المشهد الليبي، ليس لأنها تختلف عن غيرها من المدن التي عانت من تداعيات مرحلة ما بعد 2011، بل لأنها تختصر في تجربتها حجم التحديات التي تواجه الدولة الليبية بأكملها. فبين السلاح والتهريب والنفوذ السياسي، وجدت المؤسسات الرسمية نفسها أمام اختبار صعب لإثبات قدرتها على استعادة دورها.

إن مستقبل المدينة، كما مستقبل ليبيا، يرتبط بقدرة الدولة على الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء المؤسسات، بحيث يكون السلاح تحت سلطة الدولة، والقرار الأمني والسياسي خاضعًا للقانون وحده.

فالزاوية ليست مجرد ملف أمني محلي، بل صورة مصغرة لمعركة ليبيا الكبرى من أجل بناء دولة مستقرة، تستعيد فيها المؤسسات مكانتها، وينتهي فيها عصر القوى الموازية.

زر الذهاب إلى الأعلى