الاستيطان يبتلع الضفة الغربية وينسف حل الدولتين

تقرير – سيد العبيدي
لم تعد الضفة الغربية تعيش فقط على وقع الاقتحامات العسكرية الصهيونية، وإنما دخلت مرحلة جديدة تتداخل فيها العمليات العسكرية مع هجمات المستوطنين، ومصادرة الأراضي، وهدم المنازل، وفرض قيود مشددة على حركة الفلسطينيين، بما يدفع عائلات فلسطينية إلى مغادرة مناطقها تدريجيًّا، في ظل توسع استيطاني يعيد تشكيل الخريطة السكانية على الأرض.
وخلال عام 2026، سجلت الأمم المتحدة تصاعدًا غير مسبوق في وتيرة هجمات المستوطنين على القرى والبلدات الفلسطينية، بالتزامن مع توسع رقعة الاستيطان وإقرار مشاريع جديدة لإنشاء مستوطنات وطرق وبنى تحتية في أنحاء مختلفة من الضفة الغربية.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، تم توثيق أكثر من 1000 هجوم للمستوطنين منذ بداية عام 2026 حتى يونيو، بمعدل يقارب 6 هجمات يوميًّا، وهي وتيرة قالت الأمم المتحدة إنها الأعلى منذ بدء تسجيل هذه البيانات، وأثرت على أكثر من 230 تجمعًا فلسطينيًّا في الضفة الغربية.
العنف أداة للتهجير
لا تقتصر الهجمات على الاعتداء الجسدي، وإنما تمتد إلى تدمير مقومات الحياة نفسها. ففي قرى ومناطق رعوية عديدة، يهاجم المستوطنون المنازل، ويحرقون الممتلكات، ويقتلعون الأشجار، ويدمرون خزانات المياه والمنشآت الزراعية، ويمنعون الرعاة والمزارعين من الوصول إلى أراضيهم.
وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 6200 فلسطيني، بينهم أكثر من 3000 طفل، تعرضوا للتهجير منذ يناير 2023 نتيجة هجمات المستوطنين والقيود المرتبطة بها، بينهم أكثر من 2300 شخص خلال عام 2026 وحده، كما تعرضت 123 تجمعًا فلسطينيًّا للتهجير الكلي أو الجزئي خلال الفترة نفسها، بينها 47 تجمعًا أُفرغت بالكامل.
ولا تتوقف عملية النزوح عند خروج السكان من منازلهم، إذ تؤدي السيطرة على الأرض إلى منعهم من العودة إليها أو استغلالها زراعيًّا، لتتحول العملية إلى مسار تدريجي يبدأ بالاعتداء والخوف، ثم فقدان القدرة على الوصول إلى الأرض ومصادر المياه ووسائل الإنتاج، وينتهي بإخلاء المجتمع بأكمله.
وفي منطقة الأغوار، ارتفع متوسط هجمات المستوطنين التي تسفر عن إصابات أو أضرار مادية إلى نحو 23 هجومًا شهريًّا في عام 2026، مقارنة بهجومين فقط شهريًّا في عام 2020.
أرقام تكشف حجم التصعيد
في مايو 2026، كانت الأمم المتحدة قد وثقت أكثر من 870 هجومًا للمستوطنين منذ بداية العام، بمعدل يقارب ست هجمات يوميًّا، في أكثر من 220 تجمعًا فلسطينيًّا.
وفي أبريل، وصلت حصيلة الإصابات الفلسطينية نتيجة هجمات المستوطنين إلى نحو 360 إصابة منذ بداية العام، فيما استشهد 8 فلسطينيين في هجمات للمستوطنين حتى ذلك الوقت. وسجل مارس وحده نحو 170 إصابة، وهي أعلى حصيلة شهرية للإصابات الناتجة عن عنف المستوطنين منذ بدء توثيق هذه البيانات بصورة منهجية.
وبحلول يوليو 2026، قالت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إن 18 فلسطينيًّا استشهدوا في حوادث مرتبطة بعنف المستوطنين الصهاينة منذ بداية العام، متجاوزة إجمالي عدد الشهداء الفلسطينيين في هجمات المستوطنين خلال عام 2025 بأكمله، والبالغ 17 شخصًا.
وفي الوقت نفسه، بلغ إجمالي الفلسطينيين الذين استشهدوا برصاص القوات الصهيونية أو المستوطنين في الضفة الغربية خلال عام 2026، وفق بيانات أممية في يوليو، 63 فلسطينيًّا، بينهم 15 طفلًا، بينما تجاوز عدد الفلسطينيين الذين استشهدوا منذ 7 أكتوبر 2023 حاجز 1100 شخص.
من العنف إلى تغيير الخريطة
يتزامن التهجير الجاري مع توسع استيطاني متسارع. ففي يوليو 2026، وافقت الحكومة الصهيونية على تخصيص نحو 1.3 مليار شيكل، أي نحو 434 مليون دولار، لإنشاء 34 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية، إضافة إلى أكثر من مليار شيكل مخصصة للبنية التحتية، ولا سيما الطرق المرتبطة بالمستوطنات.
ويعيش نحو 700 ألف مستوطن صهيوني في الضفة الغربية والقدس الشرقية وسط نحو 2.7 مليون فلسطيني، وفق تقديرات نقلتها رويترز عن بيانات الأمم المتحدة.
ولا يقتصر التوسع الاستيطاني على بناء الوحدات السكنية، وإنما يشمل منظومة متكاملة من الطرق والبنية التحتية والمناطق العسكرية والبؤر الاستيطانية ومصادرة الأراضي، بما يؤدي تدريجيًّا إلى تقطيع أوصال التجمعات الفلسطينية.
وتقول الأمم المتحدة إن الاستيطان الصهيوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 لا يتمتع بأي شرعية قانونية، ويشكل عقبة رئيسية أمام إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة. وفي أحدث تقرير للأمين العام للأمم المتحدة بشأن القرار 2334، جددت المنظمة التأكيد على أن إقامة المستوطنات في الأراضي المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، تشكل انتهاكًا للقانون الدولي وعقبة أمام حل الدولتين.
“حومش”.. نموذج للسياسة الاستيطانية
تجسد قصة مستوطنة “حومش” الواقعة شمال الضفة الغربية إحدى صور التحول الجاري. فقد أُنشئت المستوطنة عام 1978 بين قريتي برقة وسيلة الظهر، وأخليت رسميًّا عام 2005 ضمن خطة فك الارتباط، لكنها لم تختف فعليًّا من المشهد.
وبعد سنوات من محاولات المستوطنين العودة إلى المنطقة، سمحت تعديلات قانونية بإعادة فتح الطريق أمام عودتهم إلى شمال الضفة، لتتحول المنطقة تدريجيًّا إلى بؤرة استيطانية جديدة.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن القضية لم تعد مجرد وجود مؤقت للمستوطنين، وإنما أصبحت جزءًا من عملية تهدف إلى تثبيت وجود استيطاني دائم بالتوازي مع عزل التجمعات الفلسطينية المحيطة.
وتتكرر الآلية في مناطق أخرى: تبدأ ببؤرة استيطانية، ثم طريق، ثم إجراءات أمنية لحمايتها، تليها قيود على الفلسطينيين ومصادرة للأراضي، وصولًا إلى تحويل الوجود المؤقت إلى واقع دائم.
“السور الحديدي”.. نزوح واسع في شمال الضفة
إلى جانب المستوطنين، لعبت العمليات العسكرية الصهيونية دورًا رئيسيًّا في إعادة تشكيل الواقع السكاني. ففي يناير 2025، أطلق الكيان الصهيوني عملية «السور الحديدي» في شمال الضفة الغربية، وامتدت العمليات إلى مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس وغيرها.
وأدت العملية إلى نزوح واسع النطاق؛ إذ قالت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» إن نحو 40 ألف فلسطيني نزحوا خلال الأسابيع الأولى من العملية، بينما أصبحت عدة مخيمات شبه خالية من سكانها.
وفي يوليو 2026، قالت الأمم المتحدة إن أكثر من 33 ألف فلسطيني ظلوا نازحين من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس والمناطق المحيطة بها منذ بداية 2025، ما جعل شمال الضفة أحد أبرز ميادين إعادة تشكيل الوجود الفلسطيني، عبر هدم الطرق والمنازل، وتعطيل الخدمات، وإفراغ المخيمات من سكانها، وتحويل العودة إليها إلى عملية شديدة الصعوبة.
الأرض أولًا.. ثم السكان
لا تعني السيطرة على الأرض بالضرورة طرد السكان دفعة واحدة، إذ يمكن تحقيق الهدف نفسه عبر جعل الحياة اليومية غير ممكنة. فعندما يُمنع المزارع من الوصول إلى أرضه، وتُقتلع أشجاره، وتتضرر منشآته، ويُمنع الراعي من الوصول إلى المراعي، وتُفرض قيود على الحركة، ثم تتعرض المنازل للهدم بحجة عدم الحصول على تراخيص بناء، تتراكم الضغوط إلى أن يصبح البقاء نفسه عبئًا يفوق قدرة العائلة على التحمل.
وتؤكد الأمم المتحدة أن أكثر من 3200 فلسطيني تعرضوا للتهجير خلال 2026 نتيجة هجمات المستوطنين وعمليات هدم المنازل بسبب غياب تصاريح البناء الصهيونية، بمتوسط يتجاوز 17 شخصًا يوميًّا، وهو ما يقارب ضعف المتوسط اليومي خلال السنوات الثلاث السابقة.
وبهذا المعنى، يبدأ التهجير قبل مغادرة المنزل بوقت طويل، عندما يفقد الفلسطيني السيطرة على الأرض ومصادر المياه ووسائل الإنتاج وحرية الحركة.
تنديد دولي متصاعد
تتزايد التحذيرات الدولية من أن ما يحدث في الضفة الغربية يهدد بإحداث تغيير دائم في طبيعة الأراضي المحتلة. وجدد الاتحاد الأوروبي رفضه التوسع الاستيطاني، داعيًا الحكومة الصهيونية إلى وقف توسيع المستوطنات، وإضفاء الشرعية على البؤر الاستيطانية، ومصادرة الأراضي وعمليات الهدم والإخلاء، محذرًا من أن هذه الإجراءات تقوض إمكانية إقامة دولة فلسطينية وحل الدولتين.
أما محكمة العدل الدولية، فقد خلصت في رأيها الاستشاري الصادر في يوليو 2024 إلى أن استمرار الوجود الصهيوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، ودعت الكيان الصهيوني إلى إنهاء هذا الوجود بأسرع ما يمكن، كما أكدت ضرورة وقف النشاط الاستيطاني الجديد وإخلاء المستوطنين من الأراضي المحتلة.
وتكتسب هذه المواقف أهمية خاصة في ظل اتساع الفجوة بين القرارات الدولية وما يحدث على الأرض؛ فبينما تتكرر الدعوات إلى وقف الاستيطان، تتواصل عمليات البناء ومصادرة الأراضي، ويتصاعد عنف المستوطنين.
يوليو 2026.. مرحلة أكثر خطورة
وجاءت أحداث قرية تل، قرب نابلس، في يوليو الماضي لتكشف مدى التصعيد، فبعد مواجهة دامية أسفرت عن استشهاد أربعة فلسطينيين وجنديين صهيونيين، اندلعت موجة جديدة من الاعتداءات في قرى فلسطينية، شملت إحراق منازل ومنشآت دينية.
وفي أعقاب المواجهات، تحدثت تقارير عن اعتقالات واسعة وانتشار عسكري صهيوني، بينما تعرضت قرى فلسطينية لهجمات جديدة من المستوطنين، بينها إحراق مسجدين في قريتي قصرة وكور.
وهكذا لم يعد المشهد مجرد صراع بين سكان ومستوطِنين في مناطق متفرقة، بل باتت هجمات المستوطنين والعمليات العسكرية والسياسات الاستيطانية تتحرك في مسارات متوازية، بما يخلق واقعًا أمنيًّا وديموغرافيًّا شديد التعقيد.
هل نحن أمام “تهجير صامت”؟
النتيجة الأبرز لهذه التطورات هي تغير الخريطة السكانية على الأرض. فالتهجير الجاري في أجزاء من الضفة الغربية لا يحدث بالضرورة عبر عمليات إخلاء جماعي مباشر، وإنما بصورة تدريجية، من خلال تفريغ القرى والمجتمعات الصغيرة، ودفع سكانها إلى مناطق أكثر ازدحامًا، وقطع اتصالهم بالأراضي الزراعية، ثم توسيع المستوطنات والبؤر الاستيطانية حول المناطق التي غادروها، ومع كل تجمع فلسطيني يُفرغ من سكانه، تصبح السيطرة على الأرض أسهل، بينما تصبح إعادة السكان إليها أكثر صعوبة.
وتبرز هنا المخاوف الفلسطينية والدولية من تحول هذا المسار إلى تغيير ديموغرافي طويل الأمد، يؤدي عمليًّا إلى تقليص المساحات المتصلة التي يعيش فيها الفلسطينيون، مقابل توسيع الكتل الاستيطانية وربطها بشبكة من الطرق والبنية التحتية، ففي الضفة الغربية، لا يجري الصراع على الأرض فقط، بل على القدرة على البقاء فوقها. ومع استمرار الاستيطان والعنف والقيود والتهجير، فإن الخطر الأكبر لا يتمثل في تغيير حدود مرسومة على الخرائط، وإنما في تغيير الواقع السكاني قبل أن تصل أي عملية سياسية إلى طاولة التفاوض أو حل الدولتين.
