لماذا لا نزرع ما نأكل؟

نجوى مصطفى
تستغيث الأرض الليبية المعطاء وتتساءل في حسرة: كيف لأرض تمتلك المساحات الشاسعة والتربة الخصبة والطاقات البشرية الواعدة أن تظل رهينة لما يدخل عبر المنافذ من محاصيل مستوردة؟ إن الاعتماد المفرط على الاستيراد العشوائي لم يعد مجرد استنزاف لاقتصاد البلاد، بل تحول إلى خطر داهم يهدد صحة المواطن الليبي، خاصة بعد ما تداولته التقارير الرقابية والشارع مؤخرًا حول دخول وخروج محاصيل خضراء وفواكه تُسقى بمياه غير معالجة وتُرش بمبيدات وأسمدة حظرها العالم لخطورتها، ما تسبب في تفشي الأمراض المزمنة والأورام السرطانية نتيجة الجشع وغياب الضمير.
إن العودة للزراعة الذاتية ليست خيارًا ثانويًّا، بل ضرورة حتمية، فليبيا تختزن خيرًا وفيرًا يتوزع على كرم أقاليمها. فالجبل الأخضر والساحل الشرقي بفضل أراضيه المطيرة وتربته الغنية يُعد مظلة مثالية لزراعة القمح والشعير والزيتون والفواكه، بينما يمتد سهل الجفارة والشريط الساحلي الغربي ليكون حاضنة للكروم والحمضيات والخضراوات الورقية. أما الجنوب الأشم في فزان والواحات، فإنه يبهر العالم بقدرته على إنتاج أجود أنواع التمور والقمح الصلب باستغلال مياهه الجوفية وأراضيه المفتوحة، إلى جانب المناطق الوسطى الصالحة لزراعة الزيتون والنخيل والمحاصيل الحقلية، ما يجعل تحقيق الاكتفاء الذاتي أمرًا ممكنًا وبمتناول اليد.
لكن المأساة لا تتوقف عند الاستيراد، بل تمتد إلى جريمة الزحف العمراني وتجريف الأراضي الزراعية وتحويل المزارع التاريخية إلى كتل خرسانية صامتة، وسط تساءل مرير عن المصلحة من وراء هذا الإتلاف الممنهج للغطاء النباتي.
إن هذه الكارثة الزراعية والصحية تضع المسؤولية المباشرة على أطراف محددة يجب أن تتحرك فورًا.
الحكومات والسلطات التنفيذية: بفرض سياسات حازمة تدعم المزارع المحلي بالبذور والأسمدة، وتوفر فرص عمل للشباب في قطاع يدعم الاقتصاد الوطني.
الشرطة الزراعية والأجهزة الأمنيّة: بالتدخل الفوري لتطبيق القانون ووقف جريمة الاعتداء على المزارع وتجريفها لحساب البناء العمراني.
الأجهزة الرقابية والمنافذ الجمركية: بضبط الحدود ومنع دخول أي شحنات غذائية دون تحاليل مخبرية دقيقة تضمن سلامة ما يدخل أمعاء الليبيين.
إن صحة المواطن وسيادة الوطن خطان أحمران، والوقفة الجادة اليوم هي جرس الإنذار الأخير لنعيد للأرض هيبتها وللمواطن الليبي كرامته ونحافظ على صحته.
