ليبيا.. ثروة بلا إدارة ومليارات بلا أثر

بقلم / عثمان الدعيكي
ليبيا دولة نفطية تجلس فوق واحد من أكبر مخزونات الطاقة في أفريقيا، باحتياطي نفطي مؤكد يناهز 48 مليار برميل، فضلًا عن احتياطيات معتبرة من الغاز الطبيعي، ومخزون هائل من المياه الجوفية في باطن صحرائها، تقف اليوم أمام مفارقة يصعب تفسيرها بمنطق الاقتصاد والإدارة، لكنها تصبح مفهومة جدًّا حين يدخل الفساد والفوضى وسوء الإدارة إلى المعادلة.
ففي بلد مُصدِّر للنفط والغاز منذ عقود، أصبح الحصول على الكهرباء والوقود والمياه إنجازًا يوميًّا يستحق الاحتفال!
خلال موجات الحر التي تضرب ليبيا هذا الصيف، ولامست فيها درجات الحرارة في بعض المناطق مستويات قاربت 50 درجة مئوية -حسب تقارير محلية-تعيش اليوم جلُّ المدن والأرياف انقطاعات طويلة للكهرباء، ووصل الأمر في بعض الحالات إلى أيام من المعاناة بين طرح الأحمال والأعطال وانهيار أجزاء من الشبكة. وفي بلد تعتمد فيه المنازل والمستشفيات والمتاجر وشبكات الاتصالات وحتى ضخ المياه على الكهرباء، فإن انقطاع التيار ليس مجرد إطفاء لمصباح، بل تعطيل للحياة والاقتصاد والخدمات الأساسية.
والأكثر إثارة للريبة أن قطاع الكهرباء استنزف خلال السنوات الماضية عشرات المليارات من الدولارات بين مشروعات ومحطات وصيانة ووقود وعقود وتوريدات، بينما بقيت المشكلة قائمة. وهنا لا يعود السؤال: لماذا انقطعت الكهرباء؟ بل يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: ماذا أُنجز فعليًّا بهذه المبالغ الضخمة التي تم إنفاقها؟
وللمقارنة، أنجزت مصر خلال سنوات قليلة ثلاث محطات كهرباء عملاقة بنظام الدورة المركبة في العاصمة الإدارية الجديدة، وبعض المدن المصرية بقدرة إجمالية تبلغ نحو 14.4 غيغاوات (14,400 ميغاوات)، ضمن مشروع ضخم بلغت قيمته نحو 6 مليارات يورو. وهي قدرة تتجاوز الطلب الليبي في أوقات الذروة. والمقارنة هنا ليست بين بلدين بقدر ما هي بين نموذجين: أموال في مصر تتحول إلى محطات وإنتاج، وأموال في ليبيا تتحول إلى أرقام في الميزانيات، ثم نبحث عن أثرها تحت ضوء الهاتف المحمول عند انقطاع الكهرباء!
القدرة الحالية المتاحة فعليًّا لشبكة الكهرباء في ليبيا تدور في نطاق بضعة آلاف من الميغاوات، بحسب حالة وحدات التوليد وتوافر الوقود وأعمال الصيانة، بينما يرتفع الطلب خلال فترات الذروة الصيفية إلى مستويات تتجاوز القدرة المتاحة، فتظهر فجوة الإنتاج ويبدأ مسلسل طرح الأحمال. فالمشكلة ليست في غياب محطات التوليد وحدها، وإنما في الفجوة بين القدرات الاسمية والإنتاج المتاح فعليًّا، إلى جانب الطلب المتزايد وتقادم الشبكات وتعثر الصيانة والمشروعات، ثم تأتي المفارقة الثانية: أزمة الوقود في دولة نفطية.
ليبيا التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في أفريقيا، ويشكل النفط المصدر الرئيسي لإيراداتها العامة وعوائدها من النقد الأجنبي، يشاهد مواطنوها في طوابير السيارات التي لا نهاية لها أمام محطات الوقود. وفي بعض المناطق يتحول الحصول على البنزين إلى رحلة بحث وانتظار، بينما تشير تقارير محلية ودولية منذ سنوات إلى أن التهريب والاقتصاد الموازي وضعف الرقابة والتشوه الكبير في منظومة الدعم تمثل نزيفًا مستمرًّا للاقتصاد.
أي مفارقة أكثر عبثية من أن يقف مواطن في دولة تنتج أكثر من مليون برميل من النفط يوميًّا في طابور بحثًا عن بضع لترات من البنزين؟
وإذا انتقلنا من النفط والكهرباء إلى المياه، تكتمل صورة المفارقة الليبية، فمشروع النهر الصناعي العظيم، أحد أضخم مشروعات نقل المياه الجوفية في العالم، صُمم لنقل أربعة ملايين متر مكعب من المياه يوميًّا من الخزانات الجوفية في الجنوب إلى المدن والمناطق الزراعية في الشمال. لكن سنوات الصراع والإهمال والاعتداء على الآبار والمنظومات ومحطات الكهرباء وخطوط النقل، إضافة إلى ضعف الصيانة والتطوير، جعلت منظومة بهذه الأهمية الاستراتيجية عرضة للأعطال والانقطاعات وتراجع كفاءة بعض مكوناتها حتى تناقص أداؤها ليصل إلى ربع القدرة التصميمية للمشروع.
وهكذا أصبح المواطن الليبي يعيش فوق النفط ويبحث عن الوقود، وفوق مخزون هائل من المياه ويخشى انقطاعها، وتحيط به مصادر الطاقة ثم ينام في الظلام. ولو كانت المفارقات الاقتصادية تُدرَّس باعتبارها علمًا مستقلًّا، لكانت التجربة الليبية فصلًا إلزاميًّا في مقررات الجامعات!
المشكلة إذن ليست في فقر الموارد، فليبيا ليست دولة فقيرة تبحث عما تنفقه، وإنما دولة غنية تبحث عن أثر ما أنفقته. فعدد السكان لا يتجاوز بضعة ملايين، بينما تمتلك البلاد موارد نفطية وغازية ضخمة، وأصولًا واستثمارات خارجية، وبنية أساسية تراكمت عبر عقود. وفي الظروف الطبيعية، كان يفترض أن تجعل هذه المعطيات توفير الكهرباء والمياه والوقود خدمات بديهية، لا أزمات موسمية تتكرر كل عام وكأنها قدر جغرافي لا يمكن تغييره.
لكن المال وحده لا يبني دولة. فحين تغيب الحوكمة تتحول الميزانيات الضخمة إلى فرصة للنهب، وحين تضعف الأجهزة الرقابية تصبح العقود بابًا للهدر، وحين تتعدد مراكز القرار تضيع المسؤولية، وحين يصبح الولاء والمحسوبية أقوى من الكفاءة يصبح المسؤول أكثر قدرة على تبرير الفشل من قدرته على إصلاحه.
والأخطر أن استمرار الوضع الحالي لا يعني استمرار الأزمة فقط، بل تراكمها أيضًا. فمحطات الكهرباء تتقادم، والشبكات تحتاج إلى إحلال وتطوير، ومنظومات المياه تحتاج إلى حماية وصيانة واستثمارات مستمرة، وقطاع النفط نفسه يحتاج إلى استثمارات ضخمة للمحافظة على معدلات الإنتاج، في وقت يتزايد فيه الطلب على الطاقة والمياه والخدمات.
ولهذا فإن ما يحدث اليوم يجب ألا يُعامل كأوراق سياسية يستخدمها هذا الفصيل ضد فصيل سياسي آخر، أو أن يعالج بمسكنات أو لجان جديدة أو بيانات تعلن أن “الأوضاع تحت السيطرة” بينما يعرف المواطن جيدًا من درجة حرارة منزله وصنبور المياه وخزان سيارته، مقدار السيطرة الموجودة على الأرض.
المطلوب هو فتح ملفات الإنفاق على الكهرباء والوقود والمياه منذ عام 2011، ونشر قيمة العقود والمشروعات ونسب إنجازها والشركات المنفذة، وإجراء مراجعة فنية ومالية مستقلة لما أُنفق وما تحقق مقابله، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن هدر المال العام أو تعطيل المشروعات. كما يجب إخضاع القطاعات السيادية والخدمية لإدارات مهنية مستقلة نسبيًّا عن التجاذبات السياسية، وفق خطط واضحة ومعلنة للإنتاج والصيانة والإحلال والتطوير، ومؤشرات أداء يستطيع المواطن والأجهزة الرقابية متابعتها، فالفساد في بلد محدود الموارد جريمة، لكنه في بلد يمتلك ثروات مثل ليبيا يتحول إلى جريمة مضاعفة وكارثة وطنية، لأن المجرم هنا لا يسرق المال فقط، بل يسرق حق الناس في تحويل ثروة بلادهم إلى كهرباء وماء ووقود وتعليم وصحة وحياة كريمة.
لقد امتلكت ليبيا النفط والغاز والمياه والمال، لكنها افتقدت خلال سنوات طويلة أهم مورد يمكن أن تمتلكه دولة ألا وهو إدارة رشيدة يحكمها القانون وتخضع للمحاسبة.
وإذا لم يُستدرك الأمر، فإن السؤال بعد سنوات لن يكون: كيف لدولة نفطية أن تنقطع فيها الكهرباء والمياه والوقود؟
بل سيكون السؤال الأكثر مرارة:
كيف استطاع بلد يملك كل هذه الثروات أن يصل بأهله إلى هذا القدر من العوز في أبسط مقومات الحياة؟
