مقالات الرأي

الصحة والتعليم أغلى ثروات ليبيا أم اشد أعدائها؟

د.علي المبروك أبوقرين

مع دخول عام دراسي جديد يعود الحديث كل عام عن المدارس والطلاب والكتب والمعلمين والمباني والامتحانات، وينتهي الموسم الدراسي لنعود إلى الحديث عن موسم آخر وكأن التعليم مجرد خدمة تقدمها الدولة للناس، والصحة مجرد علاج يحصل عليه المريض عندما يمرض وحتى هذا الاعتقاد الخاطئ لم يعد موجود، بينما الحقيقة أكبر بكثير من ذلك فالتعليم والصحة ليسا بندين في الموازنة العامة ولا قطاعين من قطاعات الدولة وإنما هما الاستثمار الأعظم في ثروة الدولة الحقيقية وهي الإنسان. ليبيا قد تكون من الدول التي لا تحتاج إلى البحث عن ثروات أخرى تحت الأرض لكي تصبح غنية لأنها تملك النفط والغاز ومساحات واسعة من الأرض وموقعا جغرافيا استثنائيا، لكن هذه الثروات الطبيعية مهما عظمت تبقى محدودة القيمة إذا لم تتحول إلى قدرة بشرية وعلمية وإنتاجية. والنفط يمكن أن ينضب وسعره يمكن أن يهبط، والموارد الطبيعية يمكن أن تستخرج مرة واحدة أما الإنسان المتعلم السليم القادر على التفكير والإبداع والإنتاج فيستطيع أن يصنع الثروة مرة بعد مرة، وأن يحول المعرفة إلى صناعة والفكرة إلى شركة والبحث العلمي إلى تقنية والتقنية إلى منتج والخدمة إلى مصدر دخل ويحول المشكلة إلى فرصة. وهنا تكمن المفارقة الليبية الكبرى لدينا ثروة طبيعية هائلة، لكننا لم نستثمر بالقدر نفسه في الثروة التي تستخرج كل الثروات الأخرى وهي الإنسان الليبي. إن بناء دولة حديثة لا يبدأ من المباني والأجهزة والطرق وحدهم، وإنما يبدأ من طفل يدخل مدرسة جيدة ومعلم محترم ومؤهل يستطيع أن يعلمه، وبيئة تعليمية تفتح أمامه أبواب المعرفة والتفكير والنقد والابتكار، ومنظومة صحية تحافظ على صحته منذ طفولته وقبل ما يولد، تقيه المرض وتكتشف مشكلاته مبكرا، وتوفر له العلاج عندما يحتاج إليه، وتحمي الأم والطفل، وتكافح الأمراض المعدية وتواجه الأمراض المزمنة، وتوفر الصحة النفسية والتأهيل والرعاية طويلة الأمد. الإنسان الذي لا يتعلم جيدا ولا يعيش بصحة جيدة لا يمكن أن يكون أساسا لاقتصاد قوي مهما امتلكت الدولة من نفط. ولهذا فإن التعليم والصحة يجب أن ينظرا إليهما في ليبيا باعتبارهما ثروة سيادية وليسا سلعة تجارية. وعندما يتحول التعليم إلى سلعة يصبح الفقر عائقا أمام المعرفة، وعندما تتحول الصحة إلى سلعة يصبح المرض عقوبة مالية، وعندما يجتمع تسليع التعليم والصحة فإن المجتمع يدفع الثمن مرتين مرة بفقدان فرص التعلم الجيد، ومرة بفقدان الحق في العلاج الجيد، ثم يدفع الثمن الأكبر في صورة فقر وبطالة وضعف إنتاجية وهجرة للعقول واتساع للفوارق الاجتماعية. ليبيا ليست بحاجة إلى أن تنسخ نماذج دول أخرى بصورة حرفية، لكنها تستطيع أن تتعلم من التجارب الإنسانية الكبرى حقيقة واحدة لا خلاف عليها هي أن الدول التي صنعت نهضتها لم تفعل ذلك لأنها امتلكت دائما أكبر كمية من الموارد الطبيعية، وإنما لأنها عرفت كيف تحول الإنسان إلى قدرة إنتاجية وعلمية. وقدمت دروسا مختلفة في الطريق لكنها التقت عند الاستثمار طويل المدى في الإنسان والمؤسسات والمعرفة. وليبيا دولة شابة ومجتمعها يمتلك نسبة كبيرة من الشباب، وهذا ليس عبئا ديموغرافيا كما يصور أحيانا، وإنما فرصة تاريخية إذا أحسن استثمارها. الشاب الليبي الذي يحصل على تعليم حديث وصحة جيدة وتدريب مهني وتقني وبيئة بحث وابتكار وفرصة حقيقية للعمل والإنتاج، يمكن أن يكون أكثر قيمة للاقتصاد الوطني من أي مورد خام. أما إذا تركناه أمام تعليم متراجع وخدمات صحية منهكة وسوق عمل مضطرب، فسوف تتحول الكتلة الشبابية نفسها من فرصة إلى أزمة. الثروة الحقيقية في عدد العقول التي نعلمها، وعدد المرضى الذين نمنع مرضهم، وعدد الأطفال الذين نحافظ على نموهم، وعدد الباحثين الذين نمنحهم مختبرات، وعدد المهندسين والأطباء والممرضين والعلماء والمبرمجين والتقنيين الذين نستطيع إعدادهم داخل بلادهم ونوفر لهم البيئة التي تجعلهم يريدون البقاء والعمل والإبداع. فمع بداية كل عام دراسي ليس المهم كم مدرسة لدينا وإنما ماذا نريد أن يكون عليه الإنسان الليبي بعد عشرين عاما؟ وهل نظامنا التعليمي يصنع إنسانا قادرا على التفكير والإبداع والإنتاج أم يصنع حاملا للشهادات الورقية؟ وهل نظامنا الصحي يحافظ على صحة المجتمع ويحسنها له أم ينتظر الامراض حتى تصل إلى المستشفيات؟ وهل الموازنة العامة تنظر إلى المدرسة والمستشفى باعتبارهما تكلفة أم باعتبارهما استثمارا في رأس المال البشري؟ نحن بحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم الثروة نفسه. النفط والغاز والمعادن ثروة نعم، والموقع الجغرافي ثروة، لكن الإنسان هو الذي يحول هذه الثروات إلى تنمية. ومن دون إنسان متعلم وصحيح وقادر على العمل فإن الموارد الطبيعية يمكن أن تتحول إلى مجرد إيرادات تنفق وتستهلك ولا تتحول إلى حضارة تبنى وتستمر. والأخطر من الفقر المادي هو فقر المعرفة، والأخطر من نقص الموارد هو فقدان القدرة على استخدامها، والأخطر من المرض الفردي هو انهيار النظام الذي يمنع المرض ويكتشفه ويعالجه. لذلك فإن تدني التعليم وتدهور الخدمات الصحية ليسا مشكلتين ثانويتين يمكن تأجيلهما إلى أن تتحسن الظروف السياسية والاقتصادية إنهما من الأسباب العميقة التي تمنع تحسن تلك الظروف أصلا. إن الدولة التي تريد بناء اقتصاد جديد تبدأ من المدرسة وليس من السوق. والدولة التي تريد بناء مجتمع منتج تبدأ من صحة الأم والطفل وتعليمه. والدولة التي تريد وقف هجرة العقول لا تكتفي بالمطالبة ببقاء أبنائها، وإنما تمنحهم سببا حقيقيا للبقاء. والدولة التي تريد تقليل الفقر لا تكتفي بالإعانات والمنح وإنما تستثمر في التعليم والصحة والعمل المنتج. ولهذا لا ينبغي أن يكون هدف ليبيا مجرد إعادة تشغيل المدارس والمستشفيات كما كانت، وإنما إعادة بناء فلسفة التعليم والصحة نفسها. تعليم حكومي قوي وعادل ومجاني، يبدأ من الطفولة ولا ينتهي عند الجامعة، ويضع المعلم والطالب والبحث العلمي في مركز العملية التعليمية، ويربط الجامعة بالصناعة والاقتصاد ومشكلات المجتمع. ومنظومة صحية عامة قوية وشاملة، تجعل الوقاية والرعاية الصحية الأولية والصحة العامة والعلاج والتأهيل والرعاية طويلة الأمد أجزاء من منظومة واحدة، وتتعامل مع الصحة باعتبارها حقا أصيلا ومسؤولية سيادية للدولة. ولا يمكن لدولة نفطية أن تقنع مواطنيها بأن التعليم والصحة يجب أن يتحولا إلى سلع يتحمل المواطن ثمنها من دخله، بينما موارد البلاد الطبيعية ملك عام يفترض أن تتحول إلى قدرة اجتماعية وتنموية. إن تسليع التعليم والصحة في مجتمع لم يبن بعد منظومة قوية وعادلة لا يصنع الكفاءة، وإنما يوسع الفجوة بين القادر وغير القادر، ويجعل الفقر سببا في ضعف التعليم والمرض، ثم يجعل ضعف التعليم والمرض سببا جديدا للفقر. نحن لا نحتاج إلى منجم ذهب جديد في ليبيا بقدر ما نحتاج إلى اكتشاف المناجم التي أهملناها داخل الإنسان الليبي، فعقل الطفل وموهبة الشاب وخبرة المعلم ومهارة الطبيب والممرض والتقني، وقدرة الباحث وخيال المهندس وإبداع المبرمج هذه هي المناجم التي لا تنضب، وهذه هي الثروة التي تستطيع أن تجعل ليبيا دولة منتجة للمعرفة وليست مستهلكة لها، وصانعة للتقنية لا مستوردة لها، ومصدرة للعقول والمنتجات والخدمات وليست مصدرة للنفط الخام ومستوردة للغذاء الغير صحي والدواء الردئ والمغشوش والسلع الاستهلاكية التافهة. إن ليبيا تستطيع أن تستخدم النفط لبناء المدارس والمختبرات والمستشفيات والجامعات ومراكز البحث، ثم يأتي اليوم الذي تصبح فيه المعرفة نفسها أحد أهم صادراتها. وتستطيع أن تحول جزءا من ثروتها الناضبة إلى ثروة بشرية متجددة. وتستطيع أن تجعل من كل دينار ينفق على تعليم طفل أو حماية صحته أو تدريب شاب استثمارا في مستقبل الدولة وليس مجرد إنفاق حكومي. وهنا يجب أن نفهم المعنى الحقيقي للتنمية بأنها ليست أن نملك أكثر وإنما أن نصبح أكثر قدرة. وليست أن نستهلك أكثر، وإنما أن ننتج أكثر. وليست أن نبني مباني أكثر، وإنما أن نبني إنسانا أكثر علما وصحة وقدرة وكرامة. في ليبيا قد يكون النفط هو الثروة التي نعرفها لكن الإنسان هو الثروة التي لم نحسن استخراجها بعد. الصحة والتعليم هما أغلى ثروات ليبيا وكل ما عداهما يبدأ منهما ويعود إليهما. ومن يهمل عقل الإنسان وصحته مهما امتلك من النفط والغاز والمال إنما يهدر أغلى ما يملك، *إن الصحة والتعليم هما أغلى ثروات ليبيا عندما نحسن بناءهما، وأشد أعدائها عندما نتركهما للانهيار والتسليع والتهميش*.

زر الذهاب إلى الأعلى