مقالات الرأي

السياسة الصينية تجاه الأزمة الليبية 2011 – 2025

نشرت مجلة mediterraneancss دراسة بعنوان السياسة الصينية تجاه الأزمة الليبية 2011 – 2025، للدكتور علام عبد السلام عيسى الفلاح رئيس قسم التاريخ جامعة بنغازي، والمستشار العلمي بالمركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية (ليبيا) ونصها كالآتي

المقدمة:

تعتبر الأزمة الليبية من أبرز القضايا التي أثرت على الاستقرار الإقليمي والدولي منذ عام ، حيث شهدت ليبيا تدخلات متعددة من قوى خارجية، أبرزها تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي أطلق عملية عسكرية للإطاحة بنظام معمر القذافي، على الرغم من أن التدخل العسكري كان مدعوما من قبل الدول الغربية، إلا أن الصين كقوة عظمى اتخذت موقفا حذرا من هذه الأزمة[1].

تسعى الصين، كقوة عظمى، إلى تعزيز مصالحها الاقتصادية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث تعتبر ليبيا واحدة من الدول الغنية بالموارد الطبيعية، خاصة النفط. وعلى الرغم من أن الصين لم تشارك في التدخل العسكري للناتو على ليبيا، إلا أنها كانت حريصة على الحفاظ على علاقاتها مع ليبيا ومع الدول الغربية في الوقت نفسه من خلال عدم معارضة قرارات مجلس الأمن التي اتخذتها في الأزمة الليبية[2].

وقد حافظت الصين على سياسة الحياد والهدوء في ليبيا خلال الأزمة من أجل الحصول على دور في مرحلة ما بعد الصراع وجهود إعادة الإعمار، ولضمان الأمن والاستقرار لإشراك ليبيا ذات الموقع الاستراتيجي في مبادرة الحزام والطريق، والحصول على نصيب من النقط الليبي[3].

إشكالية الدراسة:
تتمحور اشكالية الدراسة في معرفة موقف الصين من الأزمة الليبية، و كيفة سعيها إلى تحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية في ليبيا، وما هي التحديات التي تواجهها في تعزيز وجودها في ليبيا؟

أهداف الدراسة:
تحليل موقف الصين من الأزمة الليبية
دراسة كيفية تفاعل الصين مع الأحداث السياسية والاقتصادية في ليبيا.
فهم الاستراتيجيات التي تتبناها الصين لدعم مصالحها في ظل الأزمة.
تحديد المصالح السياسية والاقتصادية للصين في ليبيا.
تحديد العقبات السياسية والاقتصادية التي تعترض تعزيز وجود الصين في ليبيا.
دراسة كيف تساهم ليبيا في تحقيق أهداف مبادرة الحزام والطريق الصينية.
التعرف على التحديات التي تواجه الصين في ليبيا.
أهمية الدراسة:
تتمثل أهمية  هذه الدراسة في عدة جوانب حيوية تتعلق بفهم دور الصين كقوة عظمى في السياسة الدولية وتأثيرها على الأزمات الإقليمية، وخاصة الأزمة الليبية، كما يوفر البحث تحليلاً عميقاً لموقف الصين من الأحداث الجارية في ليبيا، مما يساعد على فهم كيفية تأثير السياسات الصينية على الاستقرار الإقليمي والاقتصادي.
يعكس البحث أهمية العلاقات الاقتصادية بين الصين وليبيا، حيث تعتبر ليبيا جزءًا من مبادرة الحزام والطريق، مما يجعلها نقطة استراتيجية في تعزيز المصالح الاقتصادية الصينية في أفريقيا.
يساهم البحث في إثراء الأدبيات الأكاديمية حول العلاقات الدولية، ويعزز من فهمنا لدور القوى الكبرى في الأزمات الإقليمية، مما يساعد صانعي السياسات والباحثين على اتخاذ قرارات مستنيرة في هذا السياق المعقد

نشرت مجلة د. علام عبد السلام عيسى الفلاح
رئيس قسم التاريخ جامعة بنغازي، والمستشار العلمي بالمركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية (ليبيا)
لدور القوى الكبرى في الأزمات الإقليمية، مما يساعد صانعي السياسات والباحثين على اتخاذ قرارات مستنيرة في هذا السياق المعقد.
هيكلة البحث:

يتناول هذا البحث هيكلة تحليلية تتوزع على خمسة مطالب رئيسية، حيث يتطرق المطلب الأول إلى أهداف ومصالح الصين في ليبيا والشرق الأوسط، ليعرج بعد ذلك المطلب الثاني على دراسة موقف الصين من الأزمة الليبية التي اندلعت عام 2011، ثم يستعرض المطلب الثالث تطور العلاقات الليبية الصينية في مرحلة ما بعد سقوط النظام الليبي، في حين يركز المطلب الرابع على موقف ليبيا ودورها ضمن مبادرة الحزام والطريق الصينية، ليختتم البحث بالمطلب الخامس الذي يتناول أبرز التحديات التي تواجه الوجود الصيني في ليبيا.

المطلب  الأول: أهداف ومصالح الصين في ليبيا والشرق الأوسط
أولا: الأهداف والمصالح السياسية
حصلت جمهورية الصين الشعبية عام 1971 على مقعد الصين في الأمم المتحدة بقرار الجمعية العامة رقم 2758 (د-26). نص القرار على أن ممثلي حكومة جمهورية الصين الشعبية هم الممثلون الشرعيون الوحيدون للصين في الأمم المتحدة، وليس تايوان، وأنها أحد الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن[4]. وفي أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، وبسبب التغيرات العميقة في الأوضاع الدولية والمحلية، قامت المجموعة القيادية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني بقيادة دنغ شياو بينغ” Deng Xiaoping ” بإجراء إصلاحات كبرى وإجراءات انفتاح على العالم الخارجي بما فيها المنطقة العربية[5].

تتحدد السياسة الخارجية لجمهورية الصين الشعبية منذ نشأتها في أواخر الأربعينيات بعوامل متعددة، تشمل عوامل داخلية مثل النظام السياسي والرغبة في تحقيق التنمية الاقتصادية، وأخرى خارجية تتعلق بالنظام الدولي ومصادر التهديد لأمنها. تتميز السياسة الخارجية الصينية بالديناميكية والمرونة، حيث تجمع بين الاستمرارية والتغيير، وهو ما يميز سياسات الدول الكبرى[6].

ومن الركائز الأساسية لموقف الصين الاستراتيجي العالمي مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. فمنذ أوائل خمسينيات القرن الماضي، التزمت الصين بالمبادئ الخمسة للتعايش السلمي المتمثلة في: الاحترام المتبادل للسيادة والسلامة الإقليمية؛ وعدم الاعتداء المتبادل؛ وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر؛ والمساواة والمنفعة المتبادلة؛ والتعايش السلمي. وعلى وجه الخصوص، تؤكد سياسة عدم التدخل أن الصين لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وتحترم “حق شعوب الدول الأخرى في اختيار نظامها الاجتماعي ومسار تنميتها بشكل مستقل، يُعدّ مبدأ عدم التدخل مبدأً أساسيا في التعاون الصيني مع العالم الثالث، ويُعتبر أحد أهم نقاط القوة التي تجذب النخب العربية والأفريقية للصين، كونه سمة مميزة عن المساعدات “الغربية التي ترتبط دائما بمصالح وشروط الدول الغربية[7].

   يتمثل أحد الموضوعات الثابتة في السياسة الخارجية للصين منذ نهاية الحرب الباردة في الحاجة إلى بيئة دولية مستقرة وسلمية لدعم النمو الاقتصادي المستمر للبلاد، في عام 2009، نشر الرئيس الصيني  هو جينتاو (Hu Jintao) ملخصا رسميا يعكس وجهات نظر الحزب الشيوعي الصيني وصانعي السياسة.وقد ركز على خمس نقاط رئيسية: (1) تحول عميق، (2) عالم متناغم، (3) التنمية المشتركة، (4) تقاسم المسؤولية، و(5) المشاركة النشطة. الفكرة المركزية هي أن مستقبل الصين مرتبط ارتباطًا وثيقًا بمستقبل العالم، لذا يجب على الصين أن تندمج بنشاط في المجتمع الدولي وتسعى لتحقيق تنمية مشتركة وتحمل المزيد من المسؤولية لبناء عالم متناغم[8].

   تشمل نقاط التركيز في الاستراتيجية الصينية للشؤون الخارجية ما يلي:

• سياسة الصين الخارجية متسقة.

• تتبع الصين مبادئ ثابتة في التعامل مع القضايا الخارجية، مما يؤكد الموقف الأخلاقي في العلاقات الخارجية الصينية.

• تتعامل الحكومة الصينية بشكل فعال مع الأحداث الدولية وتتبنى سياسات وإجراءات تتفق مع مبادئها وقيادتها الأخلاقية.

• الالتزام بالمبادئ والسعي إلى المواقف الأخلاقية يوفران الأساس للاستراتيجيات الصينية الفعالة في الشؤون العالمية.

• تضمن مثل هذه الاستراتيجيات أن الصين لا ترتكب أخطاء في المعارض الخارجية ، وهو موقف استثنائي تعززه حقيقة أن إعادة الشعب في الصين يُنظر إليها على أنها تجنبت الاعتراف علناً بأخطاء السياسة الخارجية أو الاعتذار عن أفعالها في الشؤون العالمية[9].

والدبلوماسية الصينية في الشرق الأوسط محكومة بتنمية العلاقات الودية وفقا للمبادئ الخمسة للتعايش السلمي متمسكة بمقولة أن: ” مشاكل الشرق الأوسط يجب أن تحل عن طريق شعوب المنطقة وبعيدا عن أي تدخلات خارجية ولم تكن حماية المصالح الصينية من أولويات ” الأمن القومي الصيني “[10].

يكتسب الحديث عن دور الصين في العالم والشرق الأوسط أهمية خاصة حاليًا، نظرًا للتغيرات الكبيرة التي شهدها الساحة العالمية منذ نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين. من أبرز هذه التغيرات: هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية وانفرادها بالاستقطاب السياسي، بالإضافة إلى انهيار الاتحاد السوفييتي وظهور قوى جديدة تسعى للنفوذ الدولي.

في ظل هذه التحولات، اتجهت الصين، المعروفة باحترامها لسيادة الدول، نحو تعزيز علاقات التعاون والشراكة مع دول الشرق الأوسط في مجالات متعددة، مثل الاقتصاد والسياسة والثقافة. يُعتبر هذا التقارب خطوة مهمة لتعزيز قدرة الصين على تحقيق هدفها في إنهاء السيطرة الأحادية على النظام العالمي وتحديد الهيمنة الأمريكية[11].

ومع بداية القرن الـ21 ومن أجل ترسيخ وتطوير علاقات التعاون الصيني – الأفريقي” القائمة، ودفع إقامة نظام دولي وسياسي واقتصادي جديد، أنشأت الصين وأفريقيا منتدى التعاون الصيني – الأفريقي” عام 2000، ويعقد المنتدى كل 3 سنوات في الصين وإحدى الدول الإفريقية بالتناوب ويعد المنتدى آلية تشاور وحوار جماعي بين الصين والدول الإفريقية بما فيها ليبيا، وهو الأول من نوعه في تاريخ العلاقات الصينية – الإفريقية”، وكخطوة كبرى موجهة للمستقبل يقوم بها الجانبان في سياق التعاون الجنوبي – الجنوبي، للسعي إلى التنمية المشتركة في الوضع الجديد[12].

كما قامت الصين أيضا بتدشين ” منتدى التعاون الصيني العربي في عام 2004″، الذي أعلن من خلاله عن مبادئ التوجه العلاقات الصينية العربية وتتألف من أربع نقاط، وهي[13]:

• تقوية العلاقات السياسية على أساس الاحترام المتبادل،

• تعزيز التعاون في الشؤون الدولية بهدف تحقيق السلام العالمي وصونه والدفع بجهود التنمية المشتركة،

• توسيع التعاون الثقافي بما يحقق الاستفادة المتبادلة،

• تكثيف التعاون الاقتصادي بهدف تحقيق التنمية المشتركة.

يُعتبر المنتدى الصيني العربي منصة هامة لتعزيز التعاون والتبادل الثقافي بين الدول العربية والصين. يهدف المنتدى إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بين الجانبين، من خلال تنظيم فعاليات ومؤتمرات تجمع بين القادة والمفكرين ورجال الأعمال، وتتضمن أنشطة المنتدى تبادل الخبرات في مجالات متعددة مثل التجارة، التكنولوجيا، التعليم، والسياحة. كما يسعى المنتدى إلى تعزيز الفهم المتبادل بين الثقافات العربية والصينية، مما يسهم في بناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل والتعاون المثمر[14].

  وفي النصف الثاني من القرن العشرين، كان اهتمام الصين بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سياسيا في المقام الأول، حيث كانت الصين تسعى لإزاحة النفوذ الأمريكي والأوروبي في المنطقة كجزء من صعودها نحو الهيمنة العالمية. كما حاولت الصين تصدير نموذجها التنموي إلى دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا[15]، وقد شهدت الصين قفزات اقتصادية هائلة خلال العقدين الماضيين، مما جعلها قوة دولية مؤثرة وثانية عالميًا بعد الولايات المتحدة.

تعتبر الصين الآن ثاني أكبر منفق عسكري في العالم، حيث تنمو قدراتها العسكرية التقليدية والنووية بشكل ملحوظ، مما يعكس الربط بين التطور الاقتصادي وتطوير المنظومات العسكرية. وقد تم تعديل العقيدة العسكرية الصينية لتتجاوز مفهوم القوة الإقليمية، متبنيه مبادئ قتالية جديدة تتماشى مع وضعها كقوة عظمى، مثل الردع الاستراتيجي واكتساب القدرة على استخدام قوتها خارج حدودها. كما قامت الصين بإعادة صياغة استراتيجيتها تجاه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لتتناسب مع مكانتها كقوة كبرى فاعلة، مما يعزز دورها في الساحة الدولية[16].

وتعد الصين من بين الدول الكبرى التي أضحت تولي وجهها شطر منطقة الشرق الأوسط، ليكون حضورها في المنطقة، حضوراً فاعلاً. وذلك عبر نسج علاقات مع بلدانها، وإبداء مزيد من الاهتمام بقضاياها السياسية والاقتصادية والأمنية، دون التورط المباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية المهيمن التقليدي على المنطقة[17]، ومن المعروف أيضاً أنه لا يوجد أي رواسب أو إرث تاريخي سلبي، ولا يوجد أيضا إرث استعماري بين الصين والدول العربية. كما أن الصين ليس لها طموحات في السيطرة أو التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وذلك على غرار أغلبية الدول العظمى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، وهو ما يطمئن ويشجع الدول العربية على أن تجعل من الصين الشريك الأول لها، بالشكل الذي يعظم مصالح الطرفين[18].

ثانيا: الأهداف والمصالح الاقتصادية
جاء الاهتمام الصيني المتزايد بدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نتيجة الإدراك لدى صانع القرار الصيني بأن إفريقيا تعتبر من بين أهم العوامل والمقومات التي ستضمن استمرار النمو والنهوض الصيني على المدى البعيد وذلك من خلال ضمان توفير وتزويد الصين باحتياجاتها المتزايدة من المواد الخام[19]، وقد ارتكزت التوجهات الخارجية الصينية في منطقة الشرق الأوسط على مجموعه من العوامل، وهي :

أمن الطاقة والسعي للحصول عليها،
الاستثمارات الصينية في المنطقة،
تشتيت الولايات المتحدة عن بعض القضايا التي تهم الصين .
تعتبر هذه العوامل من أبرز المرتكزات التي تحدد توجهات السياسة الخارجية الصينية تجاه الشرق الأوسط[20]، فالنفط العربي فرض نفسه بقوة على أجندة العالم لاسيما في ظل تعطش القوى الصناعية الكبرى لتنويع مصادر إمداداتها النفطية حتى تواصل نموها الاقتصادي، لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية والصين، اللتان تحتلان المركزين الأول والثاني على التوالي في استهلاك الطاقة على المستوى العالم.

وتعد ليبيا أيضاً من أهم البلدان المنتجة للنفط حيث بلغ حجم إنتاجها حوالي (1845) برميل يوميا خلال عام 2010م[21]، وتبلغ حصتها 2 بالمئة من المنتج عالمياً، وقد قدرت وكالة الطاقة الأمريكية أن احتياطي النفط الليبي ارتفع من 48 مليار برميل إلى 74 مليار برميل. وبذلك تحتل ليبيا المركز الخامس عالمياً في احتياطيات النفط الصخري بعد روسيا، وأمريكا، والصين والأرجنتين[22].

في عام 2000، استوردت الصين 16.95 مليون طن من النفط من دول إفريقيا بما فيها ليبيا، وهو ما يمثل نسبة 24.1% من إجمالي واردات الصين من النفط. في عام 2009، استوردت الصين 8.9 مليون طن، و41.7 مليون طن، و12.2 مليون طن من شمال إفريقيا، وغرب إفريقيا، وجنوب شرق إفريقيا، على التوالي، وهو ما يمثل معًا 26% من إجمالي واردات الصين من النفط، وتعد ليبيا من الموردين الرئيسيين للنفط للصين[23].

وتعد دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مركزا حيويا في سوق النفط العالمي، حيث يرتبط اقتصادها ارتباطا وثيقا بمشتقات النفط. منذ عام 2010، أصبحت الصين أكبر مستهلك للنفط، متجاوزة الولايات المتحدة، مما زاد من أهمية الخليج كمصدر رئيسي. بحلول عام 2030، من المتوقع أن تحتاج الصين إلى حوالي 10 ملايين برميل يوميا، حيث تستورد 40% من احتياجاتها النفطية من الخليج، مع تصدر السعودية قائمة المصدرين[24].

ومن محددات السياسة الخارجية الصينية هي السيطرة على مصادر الطاقة الرئيسية في ظل زيادة تصاعد الاهتمام العالمي بالشرق الأوسط وليبيا[25] ويعد التزود بالثروات الطبيعية من أهم أهداف التوجه الصيني نحو منطقة الخليج العربي وشمال أفريقيا، ففي سنة 2013 أصبحت الصين ثاني أكبر دولة مستوردة للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية، فهي تستورد قرابة سبعة ملايين برميل نفط يومياً، وبتزايد حاجاتها للنفط بمعدل 30% سنوياً، وتأخذ الصين ما يقارب ثلث حاجاتها من النفط من دول أفريقيا بما فيها ليبيا[26].

تحتاج الصين إلى تأمين مستدام لموارد الطاقة للحفاظ على معدلات نموها المرتفعة وتطوير صناعاتها، التي تشكل أساس ميزانها التجاري. وقد نشطت بكين في تأمين موارد الطاقة من آسيا الوسطى والشرق الأوسط، حيث يرتبط هذا النشاط بأبعاد جغرافية وسياسية واستراتيجية، وليس فقط اقتصادية. كانت الصين معنية بمواجهة مبادرات الطاقة الغربية في المنطقة، بالإضافة إلى ذلك، تحتاج الصين إلى فتح أسواق جديدة لتسويق منتجاتها، وتعتبر دول الشرق الأوسط سوقا مهما نظرا للطلب المتزايد على السلع الصينية وكثافتها السكانية، فضلاً عن الميزات التنافسية العالية التي تتمتع بها هذه السلع[27].

بشكل عام يزداد الطلب الصيني للنفط، فهي تستهلك 12 مليون برميل يوميا في عام 2020، ومن المتوقع أن يصل استهلاكها حوالي 15 مليون برميل يوميا في عام 2030، مقارنة بنحو 10 مليون برميل يوميا في عام 2015، وهو ما يجعل الوصول إلى مصادر الطاقة من قبل الصين أمرا حيويا وهاجسا سياسيا استراتيجيا، ولذلك أعطت الصين أهمية كبيرة في أجندتها الاقتصادية لعلاقاتها مع دول الشرق الأوسط وشمال افريقيا[28].

وتوفر ليبيا للصين مصدر هام وغني بالموارد الطبيعية والنفط بسبب احتياجات الصين المتزايدة من الطاقة[29]، قبل الأزمة الليبية 2011 بلغت واردات الصين من النفط الليبي حوالي (341,000) برميل يوميا عام 2010[30]، وشكل النفط الخام الليبي 3% من إجمالي واردات الصين قبل الأزمة[31].

قبل الأزمة أـيضا أبرمت الصين اتفاقيات تجارية مع ليبيا بلغت قيمتها حوالي 18.8 مليار دولار، مما يعكس الأهمية الاستراتيجية للعلاقات الاقتصادية بين البلدين. بالإضافة إلى ذلك، استثمرت 75 شركة صينية في السوق الليبي، حيث تركزت هذه الاستثمارات في عدة قطاعات حيوية، مثل الإنشاءات، والسكك الحديدية، والطاقة. تعكس هذه الأنشطة التجارية والاستثمارية الروابط القوية التي تجمع بين ليبيا والصين، وتبرز دور النفط كمصدر حيوي في تعزيز هذه العلاقات[32].

لقد برزت الصين خلال الأزمات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط كشريك استراتيجي لدول المنطقة، حيث زادت التفاعلات والعلاقات الصينية في منطقة الشرق الأوسط على النحو التالي:

1-أصبحت العديد من دول المنطقة تعتمد على صادرات النفط إلى الصين، حيث بلغت الصادرات النفطية من دول الشرق الأوسط إلى الصين في عام2015م حوالي 43% من أجمالي صادرات النفط إلى الصين.

2- كما شهدت هذه الفترة زيادة كبيرة في الاعتماد المتبادل بين الصين ودول الشرق الأوسط في مجال الطاقة.

3- زيادة الاعتماد المتبادل في العلاقات التجارية والاستراتيجية بين الطرفين.

4- قيام العديد من المشاريع والاستثمارات الصينية في الشرق الأوسط في مجالات الطاقة والبنية التحتية ومشروع الحزام والطريق الذي يعتبر من أهم المشاريع المستقبلية للصين[33].

وتؤكد الصين على جانب الربح المشترك في علاقاتها مع دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ولا شك أن هذا النهج يجد الدعم والمساندة في بلدان إفريقيا لأكثر من سبب واحد، أولا، هناك تقدير للبرجماتية الصينية، من حيث كونها آتية كشريك تجاري، وليس بغرض التبشير أو تقديم الأعمال الخيرية. ثانيا، التصور بأن المصالح الاقتصادية هي أكثر ضمانا لاستمرار العلاقة مقارنة بالدافع الإنساني أو دبلوماسية الأزمة[34].

كما تهدف الصين إلى الحصول على حصة رئيسية في مشروعات إعادة الأعمار في الدول العربية : كمشاريع إعادة الإعمار في العراق وسوريا وليبيا، وذلك بسبب الحروب والنزاعات التي وقعت في المنطقة العربية ودمرت البنية التحتية والحيوية لهذه البلدان الأمر الذي يستدعي إعادة إعمار هذه البلدان، وتسعى الصين إلى استخدام علاقتها السياسية الجيدة مع الدول العربية للحصول على نسبة للشركات الصينية للمشاركة في إعادة الإعمار[35].

ثالثا: الأهداف والمصالح الاستراتيجية
يمكن تحديد أهم الأهداف الاستراتيجية للصين في علاقاتها مع دول تجاه منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الآتي:

دعم الموقف الصيني في مواجهة انفصال تايوان: سعت الصين من خلال تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع الدول العربية إلى ايجاد عزلة دبلوماسية عربية لتايوان، العلاقات بين الدول العربية وتايوان هي علاقات غير رسمية تركز بشكل أساسي على التبادل الاقتصادي، التجاري، والثقافي، وذلك في ظل التزام الدول العربية بمبدأ “الصين الواحدة” وعدم وجود علاقات دبلوماسية رسمية مع تايبيه منذ تسعينيات القرن الماضي. تُعد السعودية أكبر شريك تجاري لتايوان في المنطقة[36].

الحصول على موارد الطاقة: تعد موارد الطاقة التي تزخر بها منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وخاصة النفط أحد أهم الأهداف الصينية للتواجد في القارة الإفريقية، خاصة في ظل النمو الاقتصادي المتزايد للصين، بحيث أصبحت ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية، و من ثم فإن أمن الدولة الصينية يقوم على أساس تأمين وضمان تدفق النفط العربي خاصة في ظل المزاحمة الشديدة من الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر الشرق منطقة نفوذ تقليدي لها[37].
كسب التأييد الدبلوماسي العربي للسياسة الصينية داخل الأمم المتحدة: يشكل الحضور الكبير للدول العربية في الأمم المتحدة أحد أهم الرهانات الكبيرة التي عملت وتعمل الصين للاستفادة منها في مواجهة الدبلوماسية الأمريكية والغربية، خاصة فيما يتعلق بتأييد الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية لانفصال تايوان. كما ساهم الحضور العربي في الوقوف بوجه الاتهامات الموجهة للصين فيما يتعلق بحقوق الإنسان[38].

إيجاد نظام دولي متعدد الأقطاب: في إبريل 1997، تعهد الرئيس الصيني جيانغ تسه مين والرئيس الروسي بوريس يلتسين “بتعزيز التعددية القطبية في العالم وإقامة نظام دولي جديد”. لسنوات عديدة، قلل العديد من العلماء وصناع السياسات الغربيين من أهمية مثل هذه التحديات أو رفضوها باعتبارها مجرد خطابة تمنيات. وأشاروا إلى أن بكين لن تستطيع تغيير قواعد ومعايير النظام الذي تقوده الولايات المتحدة[39].

كان شي جين بينج عندما تولى السلطة في عام 2012، مفعماً بالأمل في تولى الصين مكانة عالمية. كأستاذ في المدرسة المرموقة التي تقوم بتعليم كبار القادة في الحزب الشيوعي الصيني، أنا كان يعرف ما يكفي عن التاريخ لاستنتاج أن الوقت قد حان لان تصبح الصين في صدارة النظام العالمي[40]، وعندما وصل الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى السلطة في عام 2012، تحدث عن أنماط تاريخية من الصراع بين القوى المهيمنة الصاعدة، وحذر من دور الولايات المتحدة في التعجيل بانهيار الاتحاد السوفييتي[41].

وقد تجنب الحزب الشيوعي الصيني الصراعات في الخارج من خلال الابتعاد عن النزاعات المثيرة للجدل، مثل تلك الموجودة في الشرق الأوسط، والامتناع عن الأنشطة التي يمكن أن تتعدى على المصالح الوطنية الحيوية للولايات المتحدة. وفي الداخل، حافظت النخبة الحاكمة في الصين على السلام الداخلي[42].

وتحت قيادة شي جين بينج (الرئيس السابع والحالي لجمهورية الصين الشعبية) تحاول الصين أن تحل محل الولايات المتحدة باعتبارها الدولة الرائدة اقتصاديًا وتكنولوجيًا في العالم وأن تحل محلها كقوة مهيمنة في شرق آسيا[43]، ويشير كثيرون إلى صعود الصين وغيرها من المنافسين ليقولوا إن العالم يعود إلى التعددية القطبية (أو إلى الثنائية القطبية في بيئة تعددية الأقطاب)[44].

تهدف الصين من خلال تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية مع دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى محاصرة القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة. تتمتع المنطقة بموقع جغرافي استراتيجي وثروات اقتصادية كبيرة، مما يجعلها ذات أهمية خاصة للصين. تسعى بكين إلى استخدام الدول العربية كحقل تجارب للأسلحة الصينية، التي لم يُسمح لها باستخدامها في أماكن أخرى، وكمنصة لاستعراض قوتها العسكرية. ترفض الصين استمرار الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي، وتسعى لتشكيل نظام متعدد الأقطاب تكون فيه قوة رئيسية. تعتقد أن تعزيز التعددية القطبية وزيادة التعاون الصيني – العربي سيساعدان في حماية حقوق الإنسان ومصالح الدول النامية، مما يجعل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا منطقة جيواستراتيجية لتعزيز قوتها الناعمة كمنافس للقوى التقليدية[45].

وهكذا يتضح للباحث أن السياسة الصينية تجاه منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تعبيرا عن استراتيجية شاملة تهدف إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية. منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية، شهدت العلاقات بين الصين والدول العربية تطورات ملحوظة، حيث تحولت من اهتمام سياسي محدود إلى شراكة استراتيجية قائمة على التعاون المتبادل.

وتستند الأهداف الصينية إلى عدة محاور رئيسية، منها تأمين موارد الطاقة والموارد الطبيعية، وهو ما يعكس اعتماد الصين المتزايد على النفط العربي، خاصة مع تزايد استهلاكها للطاقة. تسعى الصين أيضا إلى كسب التأييد الدبلوماسي من الدول العربية في المحافل الدولية، مما يعزز موقفها في مواجهة الضغوط الغربية، خاصة فيما يتعلق بقضية تايوان.

يرى الباحث أن العلاقات بين الصين وليبيا تعكس استراتيجية شاملة تهدف إلى تعزيز المصالح الاقتصادية والسياسية للصين في منطقة الشرق الأوسط. لقد أدركت الصين منذ فترة طويلة أهمية ليبيا كدولة غنية بالموارد الطبيعية، وخاصة النفط، الذي يشكل عنصرا حيويا في تأمين احتياجات الصين المتزايدة من الطاقة. إن موقع ليبيا الجغرافي وثرواتها الهائلة يجعلها شريكا استراتيجيا مهما في إطار رؤية الصين لتحقيق أهدافها الطموحة في تعزيز نفوذها الاقتصادي.

علاوة على ذلك، يعكس مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الذي تتبناه الصين، رغبتها في بناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل وعدم فرض نموذجها السياسي، وهو ما يميزها عن القوى الغربية التقليدية، كما أن التوجه الصيني نحو توسيع نفوذها في الشرق الأوسط يتماشى مع استراتيجيتها العالمية في مواجهة الهيمنة الأمريكية، حيث تسعى الصين إلى إنشاء نظام دولي متعدد الأقطاب، من خلال تطوير علاقاتها مع ليبيا، تأمل الصين في تعزيز موقفها الدبلوماسي في المحافل الدولية، وكسب التأييد العربي، مما يعكس تحولًا ملحوظًا في السياسة الصينية نحو تحقيق شراكات استراتيجية تسهم في دعم نموها الاقتصادي وتوسيع نفوذها الجغرافي.

المطلب الثاني: موقف الصين من الأزمة الليبية 2011
كان لدى القذافي آمال كبيرة في إقامة علاقة مع الصين بعد وصوله للسلطة 1969. وفي مارس 1970 بعد ستة أشهر فقط من توليه السلطة – أرسل رئيس وزرائه عبد السلام جلود إلى بكين مع مذكرة للحصول على المساعدة التكنولوجية والنووية، وشراء أسلحة نووية تكتيكية. ويبدو أنه تم رفض كلا الطلبين[46]، وعلى الرغم من فتور العلاقات بعد ذلك، إلا أن ليبيا صوتت لصالح انضمام الصين إلى الأمم المتحدة في عام 1971، واعترفت بجمهورية الصين الشعبية، وفي عام 1978 تم إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين الصين وليبيا، مما أدى إلى قطع العلاقات مع تايوان[47].

في ذلك الوقت، ارتفعت مكانة الصين كقوة عظمى ويبدو أن القذافي أدرك أن العلاقات مع الصين يمكن أن تكون وسيلة لموازنة الاعتماد الليبي المتزايد على الاتحاد السوفييتي[48]، وظلت الصين واحدة من القوى القليلة التي لم تفرض عقوبات اقتصادية على ليبيا حتى مع اتهام ليبيا كدولة مارقة في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي بسبب العقوبات من أوروبا والولايات المتحدة. الولايات المتحدة. ومع نمو التجارة في التسعينيات. وفي تلك الفترة الحاسمة، تطورت الشراكة الأمنية أيضاً مع الصين التي زودتها بمجموعة متنوعة من “التكنولوجيا المرتبطة بالصواريخ والمساعدة في إنتاجها ” بين عامي 1997 و2001[49].

اتسمت العلاقات بين الصين وليبيا بالفتور، حيث لم تتمكن ليبيا من إقناع الصين بتزويدها بالأسلحة النووية. كانت آخر زيارة للرئيس الليبي السابق معمر القذافي إلى الصين في عام 1982، وآخر زيارة لرئيس وزراء صيني إلى ليبيا في عام 2002، وفي عام 2006، خفضت ليبيا مستوى تمثيلها الدبلوماسي في القمة الصينية-الإفريقية التي عقدت في بكين، حيث كان التمثيل الليبي على مستوى نائب وزير، بينما كانت الوفود الأخرى ممثلة برؤساء ورؤساء وزراء. رغم هذا الفتور السياسي، استمرت العلاقات الاقتصادية بين البلدين قبل الأزمة الليبية[50].

كان لدى الصين بالفعل مصلحة في إمكانات تصدير النفط الليبي نظرا لأن ليبيا تمتلك ما يقدر بنحو 2.8 % من الاحتياطيات العالمية، لذا وجدت حاجة ليبيا إلى تحديث البنية التحتية صدى إيجابي لدى الصين ففي عام 2004 قامت شركة البترول الوطنية الصينية (CNPC) ببناء خطي أنابيب يربطان حقل الوفاء النفطي بميناء مليتة في غرب ليبيا نيابة عن شركة النفط الوطنية الصينية، ومع ذلك، لم تستغل الصين الإمكانيات النفطية الليبية، ويرجع ذلك جزئيا إلى وجود لاعبين أكبر مثل BP، وENI، وShell، وTotal، وجزئيا بسبب تسييس القذافي لموارد النفط الليبية[51].

كانت علاقات الصين مع ليبيا متوترة حتى قبل أزمة الربيع العربي. ففي عام 2009، اتهم وزير الخارجية الليبي موسى كوسا الصين باستغلال موارد أفريقيا وشعوبها، وأدان سلوكها في القارة الأفريقية ووصفه بالاستعمار الجديد. وقد أخذت الصين، التي يعد رفضها للإمبريالية والاستعمار أحد ركائز سياستها الخارجية، هذا الاتهام على محمل الجد، إلا أن مصالحها الاقتصادية طغت على الاعتبارات الأخرى، ما أدى إلى تخفيف حدة التوتر[52].

1-الموقف السياسي الصيني من الأزمة الليبية:
شهدت الفترة التي سبقت أحداث 2011 شراكة ضخمة بين الصين وليبيا، حيث كانت 75 شركة صينية تدير حوالي 50 مشروعا كبيرا في ليبيا بقيمة تجاوزت 20 مليار دولار، شملت قطاعات النفط والبناء والسكك الحديدية والاتصالات، وفقا لتقديرات وزارة التجارة الصينية، ومع ذلك، تغير الوضع بعد أحداث 2011، مما دفع الصين إلى اتخاذ مواقف حذرة تجاه التطورات في البلاد. توقفت الاستثمارات الصينية بعد مداهمة بعض الشركات وإصابة العشرات من العمال الصينيين، مما اضطر بكين إلى التحرك بسرعة لإجلاء مواطنيها من الاضطرابات[53].

تعتبر ليبيا ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للصين، نظرا لموقعها المطل على البحر الأبيض المتوسط وأهميتها في مجال الواردات النفطية. قبل الأزمة التي شهدتها ليبيا في عام 2011، حيث كانت بكين تمتلك استثمارات ضخمة في البلاد قدرت بنحو 20 مليار دولار موزعة على 75 مشروعاً كبيراً شملت قطاعات السكن، البنية التحتية، الاتصالات، الطاقة، غير أن اندلاع الأحداث في ليبيا وما أعقبها من صراع مسح وانقسام سياسي دفع الصين إلى تجميد مشاريعها[54].

في 26 فبراير 2011 أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قرار رقم 1970، بالإجماع حول الأوضاع في ليبيا. فرض المجلس عقوبات دولية على نظام معمر القذافي وفوض المحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق في الجرائم التي اقترفتها قوات القذافي ضد المدنيين الليبيين، حيث تضمن القرار 1970 لمجلس الأمن في فبراير 2011، حظر سفر عدة شخصيات ليبية بارزة على رأسها معمر القذافي وتجميد أصوله، بالإضافة إلى حظر توريد الأسلحة إلى ليبيا مع قيام أعضاء مجلس الأمن بتفتيش السفن المتجهة إلى ليبيا ومصادرة كل ما يحظر توريده وإتلافه[55].

عندما أعلن الرئيس أوباما في 25 فبراير 2011 فرض عقوبات على نظام القذافي رداً على العنف في البلاد، لم تُبد الصين أي معارضة أو احتجاج. وفي اليوم التالي، انضمت إلى أعضاء مجلس الأمن الدولي الآخرين في تمرير القرار 1970 الذي يحظر تزويد قوات القذافي بالأسلحة[56].

امتنعت الصين عن التصويت على القرار 1973 في مارس 2011، الذي كان يتعلق بفرض حصار جوي على نظام القذافي. لم تقف بكين ضد تمرير هذا القرار، مما ساهم في تبنيه من قبل مجلس الأمن، والذي أدى فيما بعد إلى تدخل حلف الناتو لإسقاط نظام النظام الليبي[57].

نص قرار مجلس الأمن 1973. اتخاذ “جميع التدابير اللازمة”، المكرس لحماية المدنيين والمناطق المدنية في ليبيا وبالتالي السماح بالعمل العسكري، لحماية المدنيين والمناطق المأهولة بالسكان المدنيين المعرضة للهجوم[58]. وتم استبعاد إنشاء قوة احتلال أجنبي بأي شكل من الأشكال على أي جزء من الأراضي الليبية، فقد كان الهدف هو حماية المدنيين والمناطق المأهولة بالسكان المدنيين المعرضة للهجوم[59].

لم تعارض أي دولة عضو في مجلس الأمن، بما في ذلك روسيا والصين القرار رقم 1973، مما يعكس توافقاً دولياً واسعاً بشأنه[60]، وسمح القرار رقم 1973 للدول الأعضاء بإنشاء منطقة حظر جوي فوق ليبيا وتطبيقها، واستخدام “جميع التدابير اللازمة” لمنع الهجمات على المدنيين[61]. ومن خلال اعتماد القرار 1973، استند مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى مبدأ المسؤولية عن الحماية وأذن بأول استخدام للقوة على الإطلاق من أجل تنفيذ ذلك المبدأ[62]، لكنه لم يُصرح صراحةً بنشر قوات برية، ولم يتناول مسائل تغيير النظام وإعادة الإعمار بعد انتهاء الصراع، ودعا القرار 1973 الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى ضمان “التنفيذ الصارم لحظر الأسلحة”[63].

مهد امتناع الصين عن التصويت على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973 الطريق أمام تدخل حلف شمال الأطلسي عسكريا في ليبيا، ورغم أن الصين ترى في موافقتها مساهمة مباشرة في سقوط معمر القذافي، إلا أنها شعرت بخيبة أمل كبيرة من النتائج. ففي الداخل والخارج، نُظر إلى الامتناع على أنه خضوع من بكين للغرب، مما أثار تكهنات حول ما إذا كانت الصين تتخلى عن مبدأ عدم التدخل الذي طالما التزمت به، وهو ما يُشوه الصورة التي تفتخر بها بكين. وانتقد القوميون المحليون بكين لـ”تنازلها عن مبادئها” و”خضوعها للمطالب الغربية”. وعلى الصعيد الدولي، ينطبق الأمر نفسه، حيث تشكك بعض الدول في استقلالية السياسة الخارجية الصينية وقدرتها على التعامل مع الضغوط الغربية[64].

بالرغم من رفض الصين التدخلات الأجنبية في ليبيا وضرورة حل الأزمة بالوسائل السلمية، مع تأكيدها على ضرورة وقف إطلاق النار وبذل الجهود لإعادة إعمار ليبيا، إلا أنها لم تستخدم حق النقض (الفيتو) على قرار مجلس الأمن بشأن توجيه ضربات جوية بقيادة حلف الناتو في ليبيا. كانت مواقف الصين متوافقة مع مواقف الأمم المتحدة في التعامل مع الأزمة الليبية[65].

كان ينظر إلى الامتناع عن التصويت على أنه خيانة لمبدأ “عدم التدخل” العديد من القوميين اتهموا الحكومة في ذلك الوقت بـ “خيانة مبادئها” و”الإذعان للمطالب الغربية”[66].

صوتت الصين لصالح القرار السابق رقم 1970 الذي صدر بالإجماع عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والذي يعترف بخطورة الوضع في ليبيا، ولم تتمكن الصين من الاعتراض على أي إجراء بعد أن اعترفت رسميًا بخطورة الوضع. علاوة على ذلك، تجنبت الصين العزلة في مجلس الأمن، حيث لم تستخدم حق النقض منفردة منذ عام 1999. وبعد امتناعها عن التصويت عن القرار 1973، طمأنت الصين نفسها بتبريرات مفادها أن الظروف الفريدة التي تمر بها ليبيا تدعو إلى اتخاذ إجراء فريد من نوعه، حيث وصفها السفير لي بادونج بأنها “ظروف خاصة” و حاولت التوفيق بين الامتناع عن التصويت ومبدأ “عدم التدخل” من خلال المزيد من التعليقات المثيرة للقلق وضرورة احترام “سيادة ليبيا واستقلالها وتوحيدها وسلامة أراضيها”[67].

امتنعت (كما فعلت روسيا) عن التصويت على قرار مجلس الأمن 1973، مما مكن من تمرير القرار، أعلن هذا القرار المجال الجوي الليبي منطقة حظر طيران، وأعلن اتخاذ التدابير اللازمة لحماية المواطنين الليبيين، وقد تعارض قرار مجلس الأمن هذا مع السياسة الرسمية للصين، التي تعارض التدخل بالقوة في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، إلا أن الصين لم تعرقل القرار. ولعل معارضة العالم العربي للقذافي كانت أحد أسباب ذلك، وكما صرحت الصين لاحقاً، لم تتوقع بكين أن يستخدم حلف الناتو مثل هذه القوة النارية الهائلة[68].

في الواقع، لم يعق امتناع الصين وروسيا عن التصويت إصدار القرار 1973، على الرغم من البيان المشترك الذي أصدرته الدولتان في 35 مارس والذي انتقد تدخل الناتو باعتباره فاضحا وأدى إلى تفاقم الخسائر في صفوف المدنيين، وقد لخص مدير شركة النفط الليبية (أجوكو) عبد الجليل معيوف المزاج العام بشكل جيد عندما أشار إلى أن دول البريكس الصين وروسيا والبرازيل، وهي الدول التي امتنعت عن التصويت، قد تواجه عقبات سياسية في استعادة علاقاتها مع ليبيا بعد سقوط النظام. أثار هذا الأمر قلقا في الصين، حيث قد تخسر فرصتها في المشاركة في عملية إعادة إعمار ليبيا المربحة والعقود القائمة التي قد يسعى المجلس الوطني الانتقالي إلى تنفيذها[69].

لقد اختارت الصين تجنب الصدام مع الغرب في ليبيا بسبب العلاقات الاقتصادية الكبيرة بين الصين وليبيا، حيث قبل الأزمة بلغت واردات الصين من النفط الليبي حوالي (341,000) برميل يوميا عام 2010، وسعت الصين إلى تقديم نفسها كشريك حقيقي لليبيا وليس لها أي طموحات استعمارية بسبب التنافس بينها وبين دول أوروبية وعلى رأسها إيطاليا وفرنسا في السيطرة على ليبيا، وذلك الأهمية النفطية لليبيا بالنسبة للصين بالإضافة إلى الأهمية الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، وتتركز الاستثمارات الصينية في ليبيا على القطاع النفطي، فالشركات الصينية تمتلك عقود إنشائية كبيرة في ليبيا، واستثمارات في قطاع التنقيب عن النفط في ليبيا[70].

وعلى الرغم من امتناع الصين عن التصويت، كانت هناك عوامل كثيرة دفعت الليبيين إلى تصنيف الصين على أنها تقف إلى جانب القذافي. وفي حين بدأت بكين اتصالات مع المجلس الوطني الانتقالي من خلال سفارتيها في مصر وقطر والتقت برئيسه محمود جبريل في يونيو 2011، فقد التقوا أيضًا بممثلي القذافي في بكين في 16 يوليو وعرضوا عليه أسلحة بقيمة 200 مليون دولار يمكن تسليمها سرًا عبر ليبيا. الجزائر وجنوب أفريقيا إلا أن بكين نفت ذلك فما بعد وأكدت انه  لم يتم بيع أي أسلحة فعلياً لنظام القذافي[71].

في يونيو 2011، وعلى عكس سياستها التقليدية المتمثلة في عدم التدخل، استضافت الصين ممثلين عن المعارضة الليبية، الذين التقوا بوزير الخارجية الصيني. ووصفت الصين المجلس الوطني الانتقالي بأنه “شريك مهم للحوار”. ويُفترض أن الغرض من هذه الاجتماعات كان الاتفاق على تدابير مع النظام الجديد المحتمل لضمان استمرارية المشاريع الاقتصادية الصينية في ليبيا بعد سقوط النظام الليبي، ولا سيما استمرار إمدادات النفط[72].

قبل الأزمة، كانت نحو 75 شركة صينية تعمل في ليبيا، وقُدر حجم عقودها بنحو 20 مليار دولار. إضافة إلى ذلك، كان يعمل في ليبيا أكثر من 30 ألف عامل صيني، وشكل النفط الخام الليبي 3% من إجمالي واردات الصين. لم يكن السوق الليبي هدفًا رئيسيا للصادرات الصينية، لكن كان من المهم للصين حماية استثماراتها في البلاد وتعزيزها[73].

اتبعت الصين مواقف حذرة تجاه التطورات في الساحة الليبية منذ اندلاع الصراع السياسي في منتصف فبراير 2011. كانت هذه المواقف غير قاطعة منذ البداية، حيث لم تستخدم الصين حق الفيتو وامتنعت في مارس 2011 عن التصويت على قرار مجلس الأمن الذي سمح بتوجيه ضربات جوية يقودها حلف شمال الأطلسي في الأراضي الليبية، كما شجبت الصين الضربات العسكرية وفرض الحظر الجوي على ليبيا، واعتبرت ذلك تدخلًا غير مقبول. وفي سبتمبر من نفس العام، اعترفت الصين بشكل متأخر بشرعية المجلس الانتقالي الوطني المُعارض، وذلك قبيل شهر من مقتل العقيد معمر القذافي[74]. في تلك المرحلة، اعتبرت الصين أن توسيع التدخل الدولي ليتجاوز فرض منطقة حظر الطيران والغارات الجوية المحدودة يُعد خرقًا لقرار مجلس الأمن. كما هددت مع روسيا باستخدام الفيتو إذا حاول الناتو تعديل العقوبات على ليبيا. واتهمتا التحالف بضرب أهداف مدنية، وأكدتا أن مجلس الأمن هو الجهة المخولة بتحديد الإفراج عن الأموال المجمدة، وأن الحوار السياسي هو الحل للخروج من الأزمة الليبية[75].

نظرت الصين إلى هذه هجمات حلف الناتو نظرة سلبية، مشيرةً في مناسبات عديدة إلى دعمها للحل السلمي للأزمة، ومعربة عن قلقها إزاء عواقب التدخل العسكري. علاوة على ذلك، رفضت الصين الاعتراف بحكومة المجلس الوطني الانتقالي التي تشكلت عقب سقوط النظام الليبي لفترة من الزمن بعد أن شكلت قوات المعارضة حكومة بديلة. وأكدت الصين لاحقا أن القوى الغربية قد حرفت معنى قرار مجلس الأمن، وأنها باستخدامها هذه القوة العسكرية الواسعة ضد القذافي قد خدعت الدول الأخرى المشاركة في إصداره[76].

اعتبر كثيرون اعتراف بكين المتأخر بالمجلس الوطني الانتقالي وعدم مساهمتها في الحملة العسكرية بمثابة رفض منها للحركة الديمقراطية الليبية، مما أثر على صورتها في العالم العربي وأدى إلى تساؤلات حول التزامها بالقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان[77].

كانت بكين حريصة على حماية مصالحها الاقتصادية في ليبيا، خاصةً بعد أن فتح القذافي أبواب الاستثمار للشركات الصينية في العديد من الدول الأفريقية. لكن مع تدهور نظام القذافي، اتخذت الصين موقفًا محايدًا بين الأطراف المتصارعة، ساعيةً لفتح قنوات تواصل مع الثوار لتأمين مصالحها الاقتصادية.

ومع ذلك، أدى تفضيل الصين للموقف المحايد وترددها في دعم الثورة إلى خسائر اقتصادية كبيرة. نظر الكثير من الليبيين إلى العلاقات الوثيقة مع نظام القذافي وتأخر الاعتراف بالمجلس الوطني الانتقالي، بالإضافة إلى عدم المشاركة في الحملات العسكرية، على أنها رفض للثورة. وبالتالي، فشلت بكين في التأثير على مشروعات إعادة الإعمار وتطوير حقول النفط في ليبيا[78].

2-عملية إجلاء الصين مواطنيها من ليبيا:
في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أطلقت الصين سياسة “الانطلاق نحو العالمية” لتعزيز النمو الاقتصادي والاستثمارات في الخارج. نتيجةً لذلك، انتشر المواطنون الصينيون في أنحاء العالم، وعاش الكثير منهم في مناطق مضطربة، حيث واجهوا ظروفًا خطيرة مثل المضايقات والسرقة والاختطاف والقتل، مع تزايد العنف ضد المواطنين الصينيين في الخارج، تصاعد السخط الشعبي على الحكومة لحثها على بذل جهود أكبر لحمايتهم. وبالتالي، أصبحت سلامة المواطنين الصينيين في الخارج ضرورة دبلوماسية ملحة لبكين، مما وضع الحكومة تحت ضغوط داخلية كبيرة للحفاظ على الدعم الشعبي[79].

أدى اندلاع الحرب الأهلية الليبية الأولى في عام 2011 إلى تعطيل كافة الأنشطة الاقتصادية بين الصين وليبيا، حيث تعرضت العديد من الشركات الصينية للنهب والسرقة، وأصيب عشرات الموظفين الصينيين بجروح خطيرة. وفقا لتقديرات وزارة التجارة الصينية، تجاوزت الخسائر 1.5 مليار دولار، مما دفع الصين إلى بحث إجلاء رعاياها من ليبيا وتعليق المشاريع. تكبدت الشركات الصينية خسائر ليست فقط في أرباح الأعمال، بل أيضا في الأصول الثابتة[80].

مع انزلاق ليبيا إلى العنف والخروج عن القانون، أصبحت مشاريع الصين معرضة للخطر. في بداية الصراع، أبلغت وزارة التجارة الصينية عن هجمات على 27 مشروع بناء، مما أدى إلى انخفاض بنسبة 45% في المشاريع المتعاقد عليها. في 24 فبراير، أعلنت شركة النفط الوطنية الصينية عن تعرض منشآتها للهجوم، وتراكمت الخسائر بسرعة، حيث قدرت وزارة التجارة والصناعة بعد أسبوع من الثورة الخسائر بأكثر من 1.5 مليار دولار. كما اضطرت شركة بناء السكك الحديدية الصينية إلى تعليق ثلاثة مشاريع بخسارة 3.6 مليار دولار، بينما علقت شركة الهندسة الحكومية نصف مشروع الإسكان المكتمل بقيمة 2.7 مليار دولار[81].

قبل اندلاع الصراع، كانت الشركات الصينية تعمل بكثافة في مشاريع كثيفة العمالة في ليبيا، مثل البناء والسكك الحديدية واستكشاف النفط والاتصالات. ووفقًا لوزارة التجارة الصينية، بلغ إجمالي عدد الشركات الصينية العاملة في ليبيا خلال فترة الأزمة 75 شركة. أفادت الشركات بأن لديها ما مجموعه 50 مشروعاً ضخماً في البلاد، بقيمة عقود تبلغ 20 مليار دولار أمريكي، ويعمل بها أكثر من 36 ألف موظف صيني([82]). بعد أسبوع من اندلاع الأزمة، تعرضت العديد من الشركات الصينية في ليبيا لعمليات سطو ونهب، وأُصيب عشرات الموظفين الصينيين بجروح خطيرة. استولى اللصوص على سيارات العمال الصينيين وأجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة والنقود وآلات البناء، وأضرموا النيران في مكاتبهم. وقدرت وزارة التجارة الصينية الخسائر بأكثر من 1.5 مليار دولار أمريكي. سارعت القيادة الصينية إلى حماية المواطنين الصينيين في ليبيا[83].

انتقل الوضع من سيء إلى أسوأ بالنسبة للصين حيث بدأ نشر مقاطع فيديو مروعة على موقع المدونات الصغيرة الصيني Weibo من قبل بعض المواطنين الصينيين الذين كانوا يعملون في ليبيا في ذلك الوقت والذين يبلغ عددهم حوالي 36000، مما يظهر الدمار الناجم عن الهجمات على مواقع المشاريع التي لفتت انتباه وسائل الإعلام بشكل كبير[84].

مع تصاعد حدة الاضطرابات في ليبيا في فبراير 2011، قامت العديد من الدول الأجنبية بإجلاء رعاياها. فقد أجلت إيطاليا، القوة الاستعمارية السابقة لليبيا، 1500 مواطن ، بينما أجلت المملكة المتحدة والولايات المتحدة رعاياهما بالمئات أو حتى بضعة آلاف. في المقابل، أجلت الصين أكثر من 30 ألف شخص.  في الواقع، من المرجح أن يكون المواطنون الصينيون ثاني أكبر مجموعة غير عربية وغير أفريقية في ليبيا في ذلك الوقت[85].

وتم حشد الدولة الصينية بأكملها لإدارة هذه العملية الأجنبية المعقدة التي تتسم بالضغط العالي تحت أعين وسائل الإعلام، وتفعيل نظام المؤتمرات المشتركة على المستوى الوزاري الذي تأسس في عام 2004. وأنشأ مجلس الدولة مقرا للطوارئ بقيادة نائب رئيس مجلس الدولة تشانغ ده جانج لتنظيم العمليات.. قامت وزارات متعددة بتجميع وحشد الموارد لتنظيم عمليات الإجلاء البري والجوي والبحري خارج ليبيا[86].

خلال العملية الضخمة، قامت الحكومة الصينية بإجلاء رعاياها عبر البر والجو والبحر. سلك المُجَلون طرقًا برية إلى طبرق قرب الحدود المصرية، حيث دخلوا مصر عبر مدينة السلوم. جهزت السفارة الصينية في مصر أكثر من 100 حافلة لنقل المُجَلّين المحتملين، وفي 23 فبراير، أرسلت إدارة الطيران المدني الصينية أول طائرة مستأجرة إلى طرابلس لإعادة المُجَلّين إلى الصين. كما نظمت رحلات جوية إلى مصر واليونان ومالطا وتونس والأردن والسودان وتركيا، حيث تم نقل معظم المُجَلّين إلى هذه الدول كمحطات توقف مؤقتة. اعتبارًا من الأول من مارس، سيرت الإدارة 20 رحلة جوية يوميًا مستأجرة من شركات طيران صينية، واستأجرت أيضًا طائرات من دول أخرى للمساعدة في الإجلاء. بالإضافة إلى ذلك، أرسلت القوات الجوية لجيش التحرير الشعبي أربع طائرات شحن إلى ليبيا لنقل النازحين إلى الخرطوم[87].

خلال فترة 12 يوماً في شهري فبراير ومارس 2011، أجلت الصين أكثر من 35 ألف مواطن صيني ومواطنين من دول أخرى من ليبيا التي مزقتها الحرب الأهلية. 37 وصفت وسائل الإعلام الصينية الرسمية هذه العملية بأنها الأكبر من نوعها التي نفذتها الصين في الخارج منذ فرار القوميين عام 1949. وقد اختبرت عملية الإجلاء واسعة النطاق للمواطنين الصينيين، بمن فيهم سكان البر الرئيسي وهونغ كونغ وماكاو وتايوان وغيرهم من الرعايا الأجانب، قدرة الحكومة الصينية على إدارة الأزمات.

أنشأ مجلس الدولة مقرًا للطوارئ، برئاسة نائب رئيس الوزراء تشانغ ديجيانغ، لتنظيم عملية الإجلاء. وقامت وزارة الخارجية، ولجنة الإشراف على الأصول المملوكة للدولة وإدارتها التابعة لمجلس الدولة، ووزارة النقل، ووزارة التجارة، وإدارة الطيران المدني الصينية، والجهات العسكرية المعنية، بتنسيق جميع وسائل النقل الممكنة لإخراج المواطنين الصينيين من ليبيا . أصدرت وزارة النقل الصينية إشعاراً طارئاً تدعو فيه جميع إدارات النقل في البلاد إلى التعاون مع إدارة الطيران المدني الصينية، لتقديم خدمة فعالة للرعايا الصينيين فور عودتهم إلى الصين[88].

استفادت الصين أيضا من الاضطرابات في منطقة الشرق الأوسط كفرصة لإظهار قدراتها العسكرية. تعكس عملية الإنقاذ المدنية في ليبيا تحولًا عميقًا في سياسة الأمن الصينية في المنطقة[89]، فقد مثّلت عملية إجلاء المواطنين من ليبيا أول انتشار خارجي لجيش التحرير الشعبي الصيني لإجلاء مواطنين صينيين. وعلى الصعيد العملياتي، شكّلت هذه العملية محطاتٍ بالغة الأهمية في استراتيجية الصين العسكرية. فللمرة الأولى، تعاون جيش التحرير الشعبي مع السلطات المدنية لتنفيذ عملية واسعة النطاق. حيث نشرت البحرية الصينية فرقاطة ” شوتشو ” من فئة “جيانغكاي-2 “، التي كانت تعمل في خليج عدن، لتوفير الحماية الأمنية للسفن المستأجرة . بينما نشرت القوات الجوية لجيش التحرير الشعبي أربع طائرات نقل بعيدة المدى من طراز IL-76 للمساعدة في إجلاء المواطنين الصينيين[90].

وكانت هذه المرة الأولى التي تجلي فيها الصين هذا العدد الكبير من مواطنيها من دولة أجنبية. وإلى جانب إبراز قدرات الصين اللوجستية والتكنولوجية الجديدة، عكست هذه الخطوة أيضًا النزعة المتزايدة لدى المؤسسة الحاكمة في الصين لتوسيع نطاق نشاط الصين في جميع أنحاء العالم[91].

أصبح إجلاء المواطنين، الذي كان ضعف ما حدث في العملية الأمريكية خلال نفس الفترة، مصدر فخر للحكومة الصينية. وقد امتد هذا النجاح إلى السياسة الخارجية للصين، حيث اعتُبرت العملية تجسيدًا لنجاح “دبلوماسية الشعب أولاً”، كما مكنت الحكومة الصينية من الدفاع عن استراتيجيتها العالمية المتطورة، التي أدت إلى مبادرة الحزام والطريق (OBOR) للرئيس شي جين بينغ. يُنظر إلى الأحداث في ليبيا على أنها كانت المحرك الرئيسي لقرار الصين إنشاء قاعدة بحرية في جيبوتي عام 2017، مما يعزز قدرتها على إبراز القوة وحماية المصالح. وبالتالي، يمكن اعتبار الاستجابة الناجحة من الحكومة الصينية للأحداث في ليبيا سببًا في تعزيز مكانة الصين كقوة عالمية[92].

يرى الباحث أن موقف الصين من الأزمة الليبية في عام 2011 يعكس تحولًا استراتيجيا في سياستها الخارجية، حيث كانت الصين تسعى للحفاظ على مصالحها الاقتصادية مع تجنب الانخراط المباشر في الصراع. على الرغم من العلاقات التاريخية المتوترة مع نظام القذافي، إلا أن الصين كانت قد استثمرت بشكل كبير في ليبيا، حيث بلغ حجم استثماراتها نحو 20 مليار دولار عبر 75 مشروعا، عندما اندلعت الأزمة، اتبعت الصين سياسة الحذر، حيث امتنعت عن التصويت على قرار مجلس الأمن رقم 1973 الذي أذن بالتدخل العسكري، مما أظهر رغبتها في الحفاظ على مبدأ عدم التدخل. ومع ذلك، أدى هذا الموقف إلى اتهامها بالتخلي عن مبادئها، خاصةً عندما اعتُبرت متواطئة في سقوط نظام القذافي.

تجلى اهتمام الصين في إجلاء مواطنيها بسرعة، حيث قامت بإجلاء أكثر من 35 ألف شخص، مما يعكس قدرتها على إدارة الأزمات. هذه العملية لم تكن فقط ضرورية لحماية مواطنيها، بل كانت أيضًا فرصة لإظهار قدراتها العسكرية واللوجستية، مما يعزز من مكانتها كقوة عالمية.

المطلب الثالث: العلاقات الليبية الصينية بعد سقوط النظام الليبي
أدى التدخل العسكري لحلف الناتو، الذي وافقت عليه الأمم المتحدة، في الإطاحة بالنظام الليبي بقيادة القذافي أكتوبر 2011، ساهم تدخل القوى الدولية والجهات الفاعلة الإقليمية في تقسيم البلاد، وجعل عملية المصالحة الوطنية الحقيقية أكثر صعوبة. فمنذ الإطاحة بنظام القذافي في أكتوبر 2011، شهدت البلاد مراحل من الصراع والانفراج. ورغم المحاولات الأخيرة للتوصل إلى حل تفاوضي بين الجماعات والقوى المتنافسة، لا تزال ليبيا ممزقة، مع وجود برلمان في طبرق ومجلس رئاسي مدعوم من الأمم المتحدة. يدعم الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، الذي يسيطر فعلياً على برقة، برلمان طبرق، بينما تدعم ميليشيات مصراتة وطرابلس المجلس الوطني الليبي[93].

لقد دمرت الحرب الأهلية الليبية أنماط الوجود الصيني في ليبيا. ففي العامين اللذين مرا منذ انتهاء الحرب، ظلت معظم الشركات الصينية مترددة في العودة، نظراً لعدم الاستقرار في ليبيا[94]، ومنذ سقوط النظام الليبي 2011 اتسم الموقف الصيني بالحذر، مع الحفاظ على قنوات اتصال دبلوماسية من دون انخراط مباشر في تعقيدات المشهد الليبي، إذ اعتمدت بكين على مبدأ الحياد السياسي في ليبيا الذي مكنها من الحفاظ على علاقات متوازنة مع حكومة الوحدة الوطنية التي تسيطر على غرب ليبيا وحكومة الاستقرار الوطني التي تسيطر على شرقها[95].

قال نائب المندوب الصيني الدائم لدى الأمم المتحدة، وو هاي تاو في 29 يوليو 2019  ، إن مستقبل ليبيا يجب أن يحدده شعبها ويجب على المجتمع الدولي احترام سيادة واستقلال ووحدة أراضي ليبيا، وأفاد في اجتماع لمجلس الأمن الدولي بأنه يتعين على الدول التي تمارس تأثيرا على الأرض أن تدفع الأطراف الليبية للسعي للتوصل إلى توافق وتقديم مساعدة بناءة للأطراف لتحقيق وقف لإطلاق النار واستئناف الحوار السياسي، وأنه يجب حل القضية الليبية من خلال الوسائل السياسية[96].

وبالرغم من أن ليبيا شهدت انقسام بشأن إعادة توزيع السلطة السياسية، أيضا لا تزال الصين على موقفها، في ضرورة أن تنتهج قيادة الأمم المتحدة التشاور والحوار للتوصل إلى تسوية سياسية في ليبيا. ويُرجح في المستقبل المنظور أن تواصل الصين سياستها الخارجية في اتباع مبادئها الثابتة، كعدم التدخل، والدبلوماسية المستقلة.[97] وفي يناير 2020 قال وو هاي تاو، نائب المندوب الصيني الدائم لدى الأمم المتحدة، أمام اجتماع مجلس الأمن لبحث الوضع في ليبيا “باعتبار الصين عضواً دائماً في مجلس الأمن، فإنها ستواصل دعم وتيسير عملية التسوية السياسية في ليبيا، ودعم سعي الليبيين نحو إقرار السلام والهدوء، والمشاركة في إعادة ليبيا التي تنعم بالسلام والاستقرار”[98].

بعد الانقسام الداخلي في ليبيا واندلاع الحرب الأهلية بين حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج والجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، غيرت الصين نهجها السياسي الحذر والمحايد الذي اتبعته في الشرق الأوسط. بدأت الصين بدعم حكومة الوفاق الوطني وفى نفس الوقت حافظت على علاقات جيدة مع حوكة المشير حفتر في شرق ليبيا، حيث التقى دبلوماسيون صينيون مع مسؤولي حكومة الوفاق 9 مرات بين عامي 2016 و2020، وفي عام 2018، دعا السراج إلى توسيع العلاقات الاقتصادية والاستثمارات الصينية في ليبيا. وفي عام 2019، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 6.21 مليار دولار، وذلك بفضل انتعاش صادرات النفط الليبي إلى الصين[99].

وفي يوليو عام 2024 وقع مدير عام صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا مذكرة تفاهم مع ائتلاف شركتي Power China الصينية وFuture البرتغالية لتنفيذ مشاريع استراتيجية في مدينة بنغازي، منها تطوير مطار بنينا الدولي وإنشاء محطات للطاقة الشمسية ومحطات معالجة المياه، إضافة إلى خط سكك حديدية يربط بنغازي بـامساعد على الحدود المصرية مع ربط شرق ليبيا مباشرة بشبكات النقل الإقليمية، وفي العام نفسه، أعلن الرئيس الصيني، شي جين بينغ، بعد اللقاء الذي جمعه برئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، على هامش منتدى التعاون الصيني الأفريقي، إقامة شراكة استراتيجية بين البلدين[100].

أعادت الصين في نوفمبر 2025 فتح سفارتها في ليبيا بعد إغلاقها نهائياً عام 2014، ونقلت بعثتها الدبلوماسية إلى تونس، وأجلت آلاف المواطنين الصينيين عقب الحرب الأهلية التي اندلعت فيها، ومؤخراً عيّنت بكين ما شيويليانج سفيراً جديداً لها لدى طرابلس[101].

وقد منحت طرابلس بكين ضمانات بشأن استثماراتها. بدأت العودة الصينية قبل إعادة فتح السفارة، مع زيادة اللقاءات بين الجانبين، مثل زيارة القائم بأعمال السفارة ليو جيان إلى درنة وتوقيع مذكرات تفاهم في مجالات البنية التحتية والطاقة. لا يُعتبر فتح السفارة مجرد إجراء دبلوماسي، بل هو إشارة لعودة الصين لتعزيز وجودها في شمال إفريقيا. تسعى الصين للاستفادة من الموارد الكبيرة في ليبيا، التي تمتلك أكبر احتياطات نفطية في أفريقيا، وذلك في إطار تنويع مصادر الطاقة وسط الضغوط الأمريكية[102].

وقد رحبت ليبيا في فبراير 2025 بموقف الصين الثابت بضرورة حل الأزمة الليبية بقيادة وملكية ليبية خالصة، جاء ذلك على لسان مندوب ليبيا الدائم لدى الأمم المتحدة” الطاهر السني” عقب لقاء وصفه بالمثمر مع رئيس مجلس الأمن في ذلك الوقت المندوب الصيني لدى الأمم المتحدة[103].

وقد بلغت صادرات الصين إلى ليبيا 3.59 مليار دولار أمريكي خلال عام 2024، وفقا لقاعدة بيانات الأمم المتحدة للتجارة الدولية (UN Comtrade)[104]، وفيما يلي شكل توضيحي لحجم الصادرات الصينية لليبيا خلال الفترة 2015- 2024 بالمليار دولار.

الجدول (01): حجم ونوعية صادرات الصين إلى ليبيا خلال عام 2024:

صادرات الصين إلى ليبيا القيمة السنة
الإجمالي 3.59 مليار دولار 2024
الآلات، والمفاعلات النووية، والغلايات 758.58 مليون دولار 2024
المعدات الكهربائية والإلكترونية 399.67 مليون دولار 2024
المركبات بخلاف السكك الحديدية والترام 266.35 مليون دولار 2024
أثاث، لافتات إضاءة، مبانٍ جاهزة 227.47 مليون دولار 2024
مصنوعات من الحديد أو الصلب 178.76 مليون دولار 2024
المطاط 174.69 مليون دولار 2024
البلاستيك 160.02 مليون دولار 2024
قطع الملابس، المحبوكة أو المصنوعة بالكروشيه 157.84 مليون دولار 2024
ملابس غير محبوكة أو مصنوعة بالكروشيه 141.18 مليون دولار 2024
أجهزة بصرية، وتصويرية، وتقنية، وطبية 104.69 مليون دولار 2024
الأحذية، والجوارب الواقية، وما شابهها، 94.53 مليون دولار 2024
الحديد والصلب 92.18 مليون دولار 2024
منتجات سيراميك 66.05 مليون دولار 2024
ألعاب، مستلزمات رياضية 57.12 مليون دولار 2024
منتجات نسيجية أخرى، أطقم، ملابس مستعملة 48.47 مليون دولار 2024
خيوط صناعية 48.19 مليون دولار 2024
سلع متنوعة من المعادن الأساسية 46.71 مليون دولار 2024
مصنوعات من الجلد، وأمعاء الحيوانات، وأحزمة، ومستلزمات السفر 46.68 مليون دولار 2024
الورق والكرتون، منتجات اللب والورق والكرتون 45.18 مليون دولار 2024
الزجاج والأواني الزجاجية 42.99 مليون دولار 2024
سلع مصنعة متنوعة 42.95 مليون دولار 2024
ألومنيوم 39.16 مليون دولار 2024
أدوات ومعدات وأدوات مائدة من معادن أساسية 37.59 مليون دولار 2024
القهوة والشاي والمتة والتوابل 25.58 مليون دولار 2024
Source: https://tradingeconomics.com/china/exports/libya

وبتحليل الباحث للجدول السابق يتضح أن إجمالي قيمة الصادرات الصينية لليبيا لعام 2024 بلغت 3.59 مليار دولار. تعد الآلات والمفاعلات النووية والغلايات من أبرز السلع المصدرة، حيث بلغت قيمتها 758.58 مليون دولار، مما يشير إلى أهمية هذه الفئة في التجارة بين البلدين. تليها المعدات الكهربائية والإلكترونية بقيمة 399.67 مليون دولار، والمركبات بخلاف السكك الحديدية والترام بقيمة 266.35 مليون دولار.

تشير الأرقام أيضًا إلى تنوع الصادرات، حيث تشمل مجموعة من السلع الأخرى مثل الأثاث ومصنوعات الحديد أو الصلب والمطاط كما تساهم المواد البلاستيكية وقطع الملابس في تعزيز الصادرات، وبشكل عام، تعكس هذه البيانات العلاقة التجارية القوية بين الصين وليبيا، مع التركيز على القطاعات الصناعية والتكنولوجية، مما يفتح المجال لمزيد من التعاون في المستقبل.

وقد بلغت واردات الصين من ليبيا 1.16 مليار دولار أمريكي خلال عام 2024، وفقا لقاعدة بيانات الأمم المتحدة للتجارة الدولية (UN Comtrade)[105] ، وفيما يلي شكل توضيحي لحجم الصادرات الليبية إلى الصين خلال الفترة 2015- 2024 بالمليار دولار.

الجدول (02): حجم ونوعية صادرات ليبيا إلى الصين خلال عام 2024:

واردات الصين من ليبيا قيمة سنة
المجموع 1.16 مليار دولار 2024
الوقود المعدني والزيوت ومنتجات التقطير 1.14 مليار دولار 2024
المواد الكيميائية العضوية 11.58 مليون دولار 2024
نحاس 6.26 مليون دولار 2024
خبث الخامات والرماد 709.53 ألف دولار 2024
الألومنيوم 665.17 ألف دولار 2024
الملح، والكبريت، والتراب، والحجر، والجص، والجير، والأسمنت 68.77 ألف دولار 2024
اللؤلؤ، والأحجار الكريمة، والمعادن، والعملات المعدنية 66.28 ألف دولار 2024
السلع غير المحددة حسب النوع 43.11 ألف دولار 2024
الزجاج والأواني الزجاجية 19.38 ألف دولار 2024
الآلات، والمفاعلات النووية، والغلايات 2.38 ألف دولار 2024
أجهزة بصرية، تصويرية، تقنية، طبية 1.96 ألف دولار 2024
المعدات الكهربائية والإلكترونية 1.61 ألف دولار 2024
المشروبات، والمشروبات الروحية، والخل 1.57 ألف دولار 2024
أعمال فنية، قطع لهواة الجمع، وتحف أثرية 1.47 ألف دولار 2024
البلاستيك 481 دولارًا 2024
المطاط 431 دولارًا 2024
Source: https://tradingeconomics.com/china/imports/libya

توضح بيانات الجدول رقم (02) أن إجمالي قيمة الواردات الصين من ليبيا لعام 2024 بلغت 1.16 مليار دولار. تشكل الواردات من الوقود المعدني والزيوت ومنتجات التقطير الجزء الأكبر من هذه القيمة، حيث بلغت 1.14 مليار دولار، مما يعكس اعتماد الصين الكبير على ليبيا كمصدر للطاقة.، ىبشكل عام، تعكس هذه البيانات الاعتماد الكبير للصين على واردات الطاقة من ليبيا، مع وجود تنوع ملحوظ في السلع الأخرى، مما يشير إلى فرص محتملة لتوسيع التجارة بين البلدين في المستقبل.

وهكذا يتسم التواجد الصيني في ليبيا بالتركيز على الجانب الاقتصادي والتنموي، مع تجنب التدخل في الشؤون السياسية الداخلية. تتعامل الصين مع الأطراف المتنازعة في طرابلس وبنغازي، مقدمة نموذجًا تنمويًا يركز على البنية التحتية والمشاريع الضخمة لتلبية احتياجات ليبيا في إعادة الإعمار.

وتعزز الصين مصالحها من خلال زيادة نفوذها في البحر المتوسط، مستغلة انشغال الدول الغربية بالتطورات الجيوستراتيجية. تعتبر ليبيا بوابة استراتيجية لمبادرة الحزام والطريق، وتوفر للصين موارد طبيعية هامة. في المقابل، تحتاج ليبيا إلى إعادة الإعمار وتحسين علاقاتها الدولية، حيث يقدم الوجود الصيني بديلاً اقتصاديا عن الشركات الغربية في ظل الوضع الأمني غير المستقر. تسعى الأطراف الليبية لتعزيز شرعيتها من خلال المحادثات مع الصين[106].

وهكذا يقوم الموقف الصيني من الأزمة الليبية على الحفاظ على المصالح الصينية في هذا البلد، خصوصا الاقتصادية منها، وبنظرة سريعة للمشروعات المتوقفة في ليبيا بعد أحداث 2011 (سواء البنية التحتية أو الوحدات السكنية … أوغيرها) سوف أن نلاحظ أن كثيرا منها صينية، تضررت الشركات المنفذة لها من ذلك التوقف، وخسرت الكثير، ولهذا تعمل بكين على تعويض تلك الخسائر، من خلال التعاقد على مشروعات جديدة، واستئناف العمل في المشاريع المتوقفة، وتعمل على التواصل مع السلطات الليبية في غرب البلاد وشرقها من أجل ذلك، بالإضافة إلى حماية مصالحها الاستراتيجية في شمال إفريقيا، وتوسيع نفوذها الجيوسياسي في الشرق الأوسط[107].

يرى الباحث أن العلاقات بين الصين وليبيا بعد سقوط النظام في 2011 تعكس تحولًا استراتيجيًا في السياسة الخارجية الصينية تجاه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فقد أظهرت الصين قدرة على التكيف مع التغيرات السياسية في ليبيا، حيث اعتمدت نهجًا حذرًا يركز على الحفاظ على مصالحها الاقتصادية مع تجنب الانخراط في الصراعات الداخلية.

بشكل عام، تعكس العلاقات الصينية-الليبية بعد 2011 ديناميكية معقدة تتطلب من الصين التوازن بين مصالحها الاقتصادية وضرورة تجنب الانخراط في الصراعات الداخلية، مما يبرز أهمية الدبلوماسية الاقتصادية كأداة لتعزيز النفوذ في المنطقة.

المطلب الرابع: موقف ودور ليبيا في مبادرة الحزام والطريق الليبية
أولا: فكرة ومضمون مبادرة الحزام والطريق
تم إطلاق مبادرة الحزام والطريق رسميًا في عام 2013 من قبل الرئيس الصيني «تشي جين بينغ» خلال زيارته إلى كازاخستان وإندونيسيا وهي فكرة أرادت الصين من خلالها إعادة تمتين المسالك التجارية العالمية عبر إحياء طريق التجارة القديم بين قارات العالم الثلاث آسيا وأوروبا وأفريقيا. والذي “يقدم خيارا جديدا للدول لتسريع تنميتهم مع الحفاظ على استقلالهم، ويقدم” الحكمة الصينية والنهج الصيني لحل المشاكل التي تواجه البشرية “[108]، ومبادرة الحزام و الطريق Belt and Road Initiative (BRI)، هي خطة تنموية صينية ترتبط أساسا بتطوير البنية التحتية للدول المستهدفة، انطلقت المبادرة سنة 2013 باستثمار أولى يقدر ب 80 مليار دولار و بمشاركة 70 دولة، وقد نمت تلك الاستثمارات بمعدل 7.2% سنويا، حسب بيانات الدولة الصينية فقد تم تنفيذ مشاريع مبادرة الحزام والطريق في 100 دولة من دول الاقتصاديات النامية منذ توسعها سنة 2019[109].

تم إطلاق مبادرة الحزام والطريق للجمع بين نقاط القوة في بكين في قدرات تطوير البنية التحتية، وقدرتها الفائضة في مجموعات موارد العمل والبنية التحتية، وفائض ثروتها الكبيرة لربط الشبكات الإقليمية، وفي النهاية، المسارات إلى أوروبا في شراكات من أجل التنمية. كانت مبادرة الحزام والطريق التي كانت تعرف سابقا باسم “حزام واحد، طريق واحد” تتكون من طريق الحرير البحري عبر المحيط الهندي والحزام الاقتصادي لطريق الحرير عبر آسيا الوسطى، ولكنها تطورت أيضا لتشمل المزيد من المسارات والروابط مع الجهات الفاعلة الإقليمية والعالمية وليس الخاصة به – طريق الحرير القديم، ذهب بعض المحللين إلى حد وصف حملة بكين لمبادرة الحزام والطريق على أنها ذات طابع جيوسياسي خفي أشبه بخطة مارشال – وهي طريقة للصين لتوليد ميزة استراتيجية في مجالها الجغرافي، تماما كما استخدمت الولايات المتحدة فن الحكم الاقتصادي لتعزيز موقعها في أوروبا الغربية في أعقاب الحرب العالمية الثانية[110].

ثانيا: أسباب طرح الصين مبادرة الحزام والطريق

تسعى الصين من خلال “مبادرة الحزام والطريق” إلى تحقيق أهداف متعددة، تتضمن دمج اقتصادها بالاقتصاد الدولي بآليات جديدة، وتطوير طرق جديدة لنقل البترول والتجارة. كما تهدف إلى تغيير نمط العلاقات الدولية نحو التعددية القطبية بدلاً من الأحادية المهيمنة التي تقودها الولايات المتحدة. تسعى الصين من خلال “مبادرة الحزام والطريق” لتحقيق عدة أهداف استراتيجية، منها:

التعددية القطبية: ترى تعتبر الصين أن النظام الدولي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة غير عادل وغير متوازن، ويخدم مصالح الولايات المتحدة وحلفائها. لذا، تهدف الصين إلى تحويل النظام من الأحادية القطبية إلى التعددية القطبية[111].
تعزيز مكانة العملة الصينية (اليوان) عالمياً: تهدف الصين من خلال المبادرة إلى توسيع تداول عملتها الوطنية اليوان وجعلها عملة رئيسية في التجارة العالمية.
تداول الأموال: تسعى لتعميق التعاون المالي وبناء منظومات استقرار نقدي واستثمار، مع توسيع المبادلات الثنائية للعملات. يلعب بنك الاستثمار الآسيوي للبنية التحتية وبنك التنمية لدول البريكس وصندوق طريق الحرير دورًا مهمًا في دعم هذه الاستراتيجية[112].
تعزيز مكانة شركات تكنولوجيا الاتصالات الصينية: تشجع الحكومة الصينية شركات تكنولوجيا الاتصالات على الاستفادة من المبادرة، للقيام بدور حيوي في إنشاء البنية التحتية لقطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في دول المبادرة[113].
السعي وراء النفط: تُعتبر الصين ثاني أكبر مستهلك للنفط عالميًا، ومن المتوقع أن تتجاوز الولايات المتحدة لتصبح المستهلك الأول للنفط بحلول عام 2030[114].
الهدف الأمني: تشمل مبادرة الحزام والطريق “رؤية التعاون البحري” التي تتضمن فرعا مخصصا لقضايا الأمن كأحد أولويات التعاون في بكين[115].
ثالثا: دخول ليبيا مبادرة الحزام والطريق

تعتبر مبادرة الحزام والطريق مشروعا طموحا يهدف إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والتنمية المستدامة بين الدول. في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تلعب هذه المبادرة دورًا محوريًا في تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الصين وهذه الدول، مما يسهم في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، تشكل شمال أفريقيا خاصة ليبيا أيضاً أهمية استراتيجية لنجاح مبادرة الحزام والطريق[116].

واستنادا إلى وراثة تقليد التعاون الودي بين الصين وأفريقيا، توفر مبادرة الحزام والطريق منصة جديدة للتعاون الصيني مع الدول العربية وتعزز المواءمة الفعالة لاستراتيجية التنمية لكلا الجانبين. بالإضافة إلى ذلك، تم أيضًا تحسين نطاق ومستوى وحجم التعاون بين الصين والدول العربية بشكل ملحوظ. وفي الوقت نفسه، أدى ذلك أيضا إلى زيادة إثراء التعاون الصيني العربي في العصر الجديد وتطوير وابتكار أساليب التعاون، مما دفع التعاون الصيني العربي إلى مرحلة تاريخية جديدة[117].

منذ بداية الأزمة في ليبيا عام 2011، انسحبت الصين من مشاريع واستثمارات مهمة في البلاد وقامت بإجلاء مواطنيها. ومع ذلك، في عام 2017، تضاعفت الواردات الصينية من النفط الليبي. وسعت الصين أيضًا لتكون طرفًا فاعلًا في إعادة الإعمار بعد انتهاء الحرب، حيث وقع وزير الخارجية في حكومة الوفاق الوطني الليبي في عام 2018 مذكرة تفاهم مع نظيره الصيني لتمهيد الطريق أمام ليبيا للانضمام إلى مبادرة الحزام والطريق. وظلت الصين ملتزمة بالحياد تجاه أطراف الصراع في ليبيا، مما يمكنها من عقد صفقات مع أي جهة تتولى السلطة في المستقبل[118].

في 16 أبريل 2018 كشف نائب رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الليبية أحمد معيتيق عن رغبة بلاده في ربط تطوير اقتصادها وإعادة الإعمار ب”الحزام والطريق”.

وأكد معيتيق أن الصين دولة لها ثقل سياسي واقتصادي كبير وهام على مستوى العالم، معربا عن رغبة بلاده في تطوير الاقتصاد الوطني وإعادة الإعمار عبر الربط المباشر مع “الحزام والطريق”، كما أكد معيتيق استعداد بلاده لتقديم كافة الضمانات الأمنية اللازمة في حالة عودة الشركات الصينية لاستكمال مشروعاتها المتوقفة[119].

في 12 يوليو 2018  أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي في بكين جلسة مباحثات مع وزير الخارجية في حكومة الوفاق الليبية محمد سيالة، استعرضت الموضوعات الثنائية والإقليمية والدولية،  ووقع الجانبان عقب المباحثات، على مذكرة تفاهم بشأن انضمام ليبيا إلى مبادرة الصين “الحزام والطريق”،  وأكد وزير الخارجية الصيني، استئناف السفارة بلاده عملها في طرابلس للمساهمة في إعادة إعمار ليبيا[120].

في 2 سبتمبر 2018، رحب رئيس مصلحة المواني والنقل البحري الليبية، المهندس عمر الجواشي، بتوقيع ليبيا اتفاقية “طريق الحرير” التي تربط الدول العربية بالصين تجارياً، معتبراً أن انضمام بلاده للمشروع يعد أمرا بالغ الأهمية من الناحية الاقتصادية[121].

وفي حوار خاص مع وكالة الأنباء الصينية (شينخوا)، أكد الجواشي على أهمية المشروع للصين لتحقيق خمس استراتيجيات، أهمها تعزيز ربط منشآت البنية التحتية كأولوية في بناء “الحزام والطريق”. وأشار إلى ضرورة الاهتمام بالبنية التحتية، بما في ذلك الممرات الرئيسية ونقاط الترابط والمشروعات المهمة، حيث ستقوم الصين بتصدير منتجاتها أو إنشاء مناطق صناعية لاستغلال المواد الخام في إنتاج منتجات قابلة للتسويق في الأقاليم. كما أن الطريق الذي تمر به المنتجات الصينية سيدعم البنية التحتية، سواء كان ذلك في الموانئ أو المطارات أو المناطق الصناعية[122].

على مدى العقد الماضي، عززت الصين تدريجيا حضورها في شمال أفريقيا، حيث أصبحت ليبيا محورًا رئيسيًا لطموحات بكين الجيوسياسية والاقتصادية. في إطار مبادرة الحزام والطريق العالمية، تعمل الصين على تسريع استثماراتها في مجالات الطاقة والبنية التحتية واللوجستيات، خاصة في شرق ليبيا، ولا تقتصر هذه التحركات على كونها مشاريع تنموية فحسب، بل تعكس توجهًا استراتيجيًا أوسع تهدف من خلاله بكين إلى إعادة تشكيل طرق التجارة وسلاسل التوريد والتحالفات السياسية في منطقة البحر المتوسط وأفريقيا جنوب الصحراء، ويُعتبر الشرق الليبي، الذي تسيطر عليه قوات المشير خليفة حفتر، نقطة ارتكاز لهذه الجهود، حيث تُجرى المفاوضات حول صفقات ومشاريع قد تُحوّل هذه المنطقة إلى مركز حيوي للتجارة الصينية مع أفريقيا وأوروبا، مما يمنح بكين موطئ قدم مهم في معادلات النفوذ الإقليمي والدولي[123].

يرى الباحث أن موقف ليبيا في مبادرة الحزام والطريق يعكس تحولًا استراتيجيًا هامًا في العلاقات الصينية-الليبية، حيث تُعتبر ليبيا نقطة محورية في طموحات الصين الاقتصادية والجيوسياسية في المنطقة. إن انضمام ليبيا إلى هذه المبادرة يُظهر رغبة الحكومة الليبية في الاستفادة من الخبرات الصينية في مجالات البنية التحتية والطاقة، مما يسهم في إعادة إعمار البلاد بعد سنوات من الصراع.

تُبرز هذه العلاقة أيضًا كيفية تعامل الصين مع الأزمات الإقليمية، حيث حافظت على سياسة الحياد وتجنب التدخل المباشر في الشؤون الداخلية لليبيا. هذا النهج يُعزز من قدرة الصين على التفاوض مع مختلف الأطراف، مما يتيح لها فرصة أكبر لتعزيز مصالحها الاقتصادية. كما أن دعم الصين لحكومة الوفاق الوطني يُظهر تحولًا في استراتيجيتها، حيث بدأت في الانخراط بشكل أكبر في العمليات السياسية.

علاوة على ذلك، تُعزز مشاريع الحزام والطريق من قدرة ليبيا على تحسين بنيتها التحتية، مما يساهم في تحقيق التنمية المستدامة. إن هذه الديناميات تُظهر كيف يمكن للعلاقات الاقتصادية أن تكون محفزا للسلام والاستقرار، مما يعكس أهمية التعاون بين القوى الكبرى والدول النامية في مواجهة التحديات المشتركة.

المطلب الخامس: التحديات التي تواجه الوجود الصيني في ليبيا
تعتبر الصين واحدة من القوى الكبرى التي تسعى لتعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ليبيا، التي تمتلك موارد غنية من النفط والغاز، أصبحت وجهة مهمة للاستثمار الصيني. ومع ذلك، يواجه الوجود الصيني في ليبيا عدة تحديات تؤثر على استثماراتها وأعمالها.

1. التحديات السياسية:


تحولت الساحة الليبية منذ أحداث فبراير 2011  وبعد سقوط النظام الليبي إلى أرضية خصبة لصراع المصالح بين القوى الكبرى والفاعلين الإقليمين نظرا لتضارب الأهداف المصالح بينهم، حيث تشكلت تحالفات وأصبحت ليبيا تشهد صراعا دوليا وحروبا بالوكالة، ناهيك عن تدخل مختلف القوى الفاعلة على الساحة الدولية، حيث يقوم كل طرف أجنبي بدعم أحد أطراف النزاع الليبي، بغية تغليبه على الطرف الآخر من أجل تحقيق المكاسب وتوسيع النفوذ[124].

ساهم تدخل القوى الدولية والجهات الفاعلة الإقليمية في تقسيم البلاد، وجعل عملية المصالحة الوطنية الحقيقية أكثر صعوبة. فمنذ الإطاحة بنظام القذافي في أكتوبر 2011، شهدت البلاد مراحل من الصراع والانفراج. ورغم المحاولات الأخيرة للتوصل إلى حل تفاوضي بين الجماعات والقوى المتنافسة، لا تزال ليبيا اليوم ممزقة، مع وجود برلمان في طبرق ومجلس رئاسي مدعوم من الأمم المتحدة[125].

ولم تفلح المساعي الأممية ولا جهود بعض الأطراف الدولية  في وضع حد للنزاع المسلح ودفع الأطراف المتحاربة إلى طاولة المفاوضات للتوصل إلى حل سياسي نهائي، إن ما وصلت إليه الأوضاع في البلاد على مختلف المستويات والأصعدة، من حالة شديدة الخطورة، باتت تهدد سلامة الدولة ووحدة أراضيها وسيادتها نتيجة التدخلات الخارجية السلبية والاصطفافات المناطقية والإيديولوجية التي تؤجج الحروب[126].

وعلى الرغم من محاولة الصين الحفاظ على علاقات متوازنة مع كليهما، حيث أن النزاعات بين الفصائل المختلفة والحروب الأهلية المستمرة تؤثر سلبًا على بيئة الأعمال. عدم وجود حكومة مركزية قوية يجعل من الصعب على الشركات الصينية التفاوض بشأن عقود طويلة الأجل أو ضمان حماية استثماراتها، في هذا السياق، دأبت القوى الدولية والإقليمية على دعم أحد المتنافسين الليبيين وفقاً لمصالحها الخاصة. ونتيجة لذلك، باتت الأوضاع على أرض الواقع في ليبيا تعكس الانقسامات على المستويين الدولي والإقليمي[127].

لا تزال ليبيا حتى هذه اللحظة في خضم صراع مسلح بشأن إعادة توزيع السلطة السياسية. ولا تزال الصين على موقفها، في ضرورة أن تنتهج قيادة الأمم المتحدة التشاور والحوار للتوصل إلى تسوية سياسية في ليبيا. ويُرجح في المستقبل المنظور أن تواصل الصين سياستها الخارجية في اتباع مبادئها الثابتة، كعدم التدخل، والدبلوماسية المستقلة[128].

2. التحديات الاقتصادية:


على المستوى الاقتصادي، تعرضت الدولة الليبية إلى مجموعة من المشاكل الاقتصادية وذلك نتيجة لسيطرة المليشيات والجماعات المسلحة على عدد من المناطق والمؤسسات الاقتصادية المهمة، ومنها المؤسسات النفطية، التي توفر أكثر من 96 % من عائدات ليبيا، الأمر الذي يكلفها خسائر ضخمة في مجال صناعة النفط، بحيث هبط إنتاجه بشكل حاد، كما تراجعت قيمة الدينار الليبي إلى نصف قيمته[129] .

تواجه ليبيا تحديات كبيرة في مجال البنية التحتية، بما في ذلك الطرق والموانئ والمطارات. هذه التحديات تعيق قدرة الشركات الصينية على تنفيذ مشاريعها بكفاءة وتزيد من التكاليف[130].

3. التحديات الأمنية


تعتبر ليبيا منطقة غير مستقرة أمنيًا، حيث تتعرض الشركات الأجنبية لتهديدات من الجماعات المسلحة. هذه المخاطر قد تؤدي إلى زيادة تكاليف التأمين والمخاطر المرتبطة بالعمليات.

تواجه الشركات الصينية تحديات في حماية موظفيها، خاصة في المناطق التي تشهد صراعات. قد تؤدي المخاطر الأمنية إلى صعوبة جذب الكفاءات المحلية والدولية للعمل في المشاريع الصينية[131].

4. التحديات الدولية:


هناك تحدّيات جيوسياسية ومنافسة دولية إذ تخشى الولايات المتحدة وأوروبا من أن يتحوّل الوجود الاقتصادي الصيني إلى وجود عسكري واستخباراتي، ولا سيما في حال حصول الصين على تسهيلات في موانئ استراتيجية مثل طبرق.

ناهيك عن أنّ ليبيا تشهد حضوراً لقوى إقليمية ودولية عديدة من بينها روسيا وتركيا وإيطاليا وفرنسا، لذلك ستتحرّك الصين بحذر لتجنّب الاحتكاك والدخول في صراعات مع هذه القوى. فالغرب الليبي مرتبط باتفاقات مع القوى الأوروبية وتركيا وأميركا ما يقلّل من فرص الصين في الوجود هناك، لذلك من المحتمل أن تركّز الصين على شرق ليبيا[132].

تسعى الدول الأوروبية والولايات المتحدة لتعزيز نفوذها في ليبيا من خلال دعم بعض الفصائل السياسية، مما يزيد من حدة المنافسة مع الصين. هذا التنافس قد يؤدي إلى تقليل الفرص المتاحة للصين في الحصول على عقود استثمارية أو شراكات.

وهكذا يتضح للباحث أن الحضور الصيني يواجه في ليبيا تحدّيات عديدة، خصوصاً في ظلّ وجود حكومتين على الرغم من محاولة الصين الحفاظ على علاقات متوازنة مع كليهما، أيضاً لا تزال بعض المناطق الليبية تعاني من هشاشة أمنية وانتشار للسلاح وتضع الصين سلامة مواطنيها في مقدمة أولوياتها وهو ما يدفعها إلى تبنّي سياسة تدريجية في العودة، إضافة إلى ذلك، هناك تحدّيات جيوسياسية ومنافسة دولية إذ تخشى الولايات المتحدة وأوروبا من أن يتحوّل الوجود الاقتصادي الصيني إلى وجود عسكري واستخباراتي، ولا سيما في حال حصول الصين على تسهيلات في موانئ استراتيجية مثل طبرق.

ناهيك عن أنّ ليبيا تشهد حضوراً لقوى إقليمية ودولية عديدة من بينها روسيا وتركيا وإيطاليا وفرنسا، لذلك ستتحرّك الصين بحذر لتجنّب الاحتكاك والدخول في صراعات مع هذه القوى. فالغرب الليبي مرتبط باتفاقات مع القوى الأوروبية وتركيا وأميركا ما يقلّل من فرص الصين في الوجود هناك، لذلك من المحتمل أن تركّز الصين على شرق ليبيا.

ويرى الباحث أن التحديات التي تواجه الوجود الصيني في ليبيا تعكس تعقيدات العلاقات الدولية في سياق الأزمات الإقليمية. إن تعدد القوى الفاعلة في الساحة الليبية، بما في ذلك التدخلات الأجنبية والصراعات الداخلية، يجعل من الصعب على الصين تحقيق أهدافها الاقتصادية والاستثمارية. فالصراع بين الفصائل المختلفة وعدم وجود حكومة مركزية قوية يؤثر سلبًا على بيئة الأعمال، مما يعوق قدرة الشركات الصينية على التفاوض وتنفيذ مشاريعها.

الخاتمة:
تُعتبر الأزمة الليبية واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا في المنطقة، حيث تعكس تداخل العديد من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية. منذ عام 2011، شهدت ليبيا تحولات جذرية أدت إلى تفكك الدولة وتدهور الأوضاع الأمنية، مما جعلها ساحة لصراع القوى الداخلية والخارجية. في هذا السياق، كان لموقف الصين من الأزمة دورٌ بارز، حيث اتبعت سياسة حذرة تركزت على الحفاظ على مصالحها الاقتصادية مع تجنب الانخراط العسكري المباشر.

تجسد العلاقات الصينية-الليبية تاريخًا طويلًا من التعاون، حيث كانت الصين تسعى إلى تعزيز نفوذها في المنطقة من خلال استثمارات كبيرة في مجالات النفط والبنية التحتية. ومع ذلك، فإن التطورات السريعة في المشهد الليبي، بما في ذلك سقوط نظام القذافي، قد أجبرت الصين على إعادة تقييم استراتيجيتها.

على الرغم من أن الصين قد اتخذت موقفًا محايدًا في البداية، إلا أنها سرعان ما أدركت أهمية الانخراط بشكل أكبر مع الأطراف الجديدة في ليبيا. ففي الوقت الذي كانت فيه الشركات الصينية تستثمر مليارات الدولارات في مشاريع البنية التحتية والنفط قبل الأزمة، أصبحت هذه الاستثمارات مهددة بسبب عدم الاستقرار السياسي والأمني.

تُعتبر ليبيا اليوم مثالًا على كيفية تأثير الأزمات الداخلية على العلاقات الدولية. فقد أدت الفوضى السياسية إلى ظهور قوى جديدة، مما جعل من الصعب على الصين الحفاظ على موقعها كقوة رئيسية في المنطقة. كما أن التدخلات الأجنبية من قبل دول مثل الولايات المتحدة وتركيا وروسيا قد زادت من تعقيد الوضع، حيث تسعى كل من هذه الدول لتعزيز نفوذها في ليبيا.

تظل ليبيا، رغم كل التحديات، منطقة غنية بالموارد والفرص، مما يجعلها هدفًا استراتيجيًا للصين والدول الأخرى. إن تحقيق الاستقرار في ليبيا لن يُفيد فقط الشعب الليبي، بل سيفتح أيضًا أبواب التعاون والتنمية مع القوى الكبرى مثل الصين. إن المستقبل يعتمد على قدرة الأطراف الليبية على تجاوز خلافاتها والعمل نحو تحقيق سلام دائم، مما يُتيح للصين وغيرها من الدول فرصة لتعزيز علاقاتها الاقتصادية والسياسية في المنطقة.

النتائج
توصل الباحث لمجموعة من النتائج يمكن استعرضها في النقاط التالية:

تسعى الصين إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع ليبيا من خلال استثمارات ضخمة في مجالات النفط والبنية التحتية، مما يعكس أهمية ليبيا كمصدر رئيسي للطاقة.
تتبنى الصين سياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، مما يُعزز من موقفها كداعم للاستقرار في المنطقة.
تعتبر ليبيا جزءًا أساسيًا من استراتيجية الصين لتأمين احتياجاتها المتزايدة من الطاقة، خاصةً في ظل النمو الاقتصادي المتسارع.
امتنعت الصين عن التصويت على قرار مجلس الأمن رقم 1973، مما مهد الطريق لتدخل حلف الناتو في ليبيا، مما أثار تساؤلات حول مدى استقلالية سياستها الخارجية.
حاولت الصين الحفاظ على قنوات اتصال مع جميع الأطراف في ليبيا لضمان استمرار مصالحها الاقتصادية بعد سقوط النظام.
قامت الصين بإجلاء أكثر من 35 ألف مواطن صيني من ليبيا، مما يُظهر مدى أهمية سلامة رعاياها في السياسة الخارجية.
بعد سقوط النظام، بدأت الصين في إعادة بناء علاقاتها مع ليبيا، مع التركيز على الاستثمارات في إعادة الإعمار.
تسعى الصين إلى توسيع تعاونها مع ليبيا في مجالات متعددة، بما في ذلك الطاقة والبنية التحتية.
بدأت الصين في دعم حكومة الوفاق الوطني، مما يعكس تحولًا في سياستها نحو مزيد من الانخراط في الشؤون السياسية وفى نفس الوقت حافظت على علاقات جيدة مع حكومة المشير حفتر في شرق ليبيا.
انضمت ليبيا رسميًا لمبادرة الحزام والطريق، مما يعكس رغبتها في تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الصين.
تسعى الصين إلى تنفيذ مشاريع تنموية في ل

زر الذهاب إلى الأعلى