عودة إلى المربع الأول

بقلم / مصطفى الزائدي
عندما نجح الغرب في إسقاط الدولة الليبية وتدمير مؤسساتها العسكرية والأمنية والاقتصادية والسياسية، تشكَّلت مجموعة نظمها الصهيوني المتعصب برنارد ليفي برعاية الرئيس الفرنسي الأسبق، مجرم الحرب وقاتل الأطفال، ساركوزي، سُمِّيت المجلس الانتقالي الوطني، ولم يكن فيه من الوطنية إلا الاسم. كان الهدف الأساس من تكوينه استبدال مؤسسات الدولة الشرعية المنتخبة في مؤتمر الشعب العام واللجان الشعبية العامة والمحلية بمجموعة من المجهولين الذين اعتمدهم المجتمع الدولي ممثلًا شرعيًّا وحيدًا للشعب الليبي.
وبمجرد انتهاء المعارك الكبرى بين القوات المسلحة العربية الليبية وقتها وحلف الناتو وداعميه العرب، قفز ذلك المجلس إلى السلطة في ليبيا، وكون من الميليشيات والمجموعات الإرهابية المسلحة والمجرمين سلطاتٍ محلية سُمِّيت المجالس العسكرية والمجالس المحلية، وشكَّل ما سماه اللجنة الأمنية العليا، وكانت مهمتها الأولى والأساسية اجتثاث النظام الجماهيري بعد اغتيال قيادته، فبدأت حملات الاعتقال والقتل على الهوية في الشوارع، ومورست أبشع صنوف التعذيب ضد الليبيين الشرفاء الوطنيين، في فترة يمكن وصفها بسنوات الإرهاب، امتدت إلى عام 2014، ما أدى إلى هجرة أكثر من مليوني ليبي إلى دول الجوار، في أبشع عملية تهجير شهدتها ليبيا منذ العهد التركي وبدايات الاستعمار الإيطالي، حيث هُجِّرت مدن كاملة، ومن أمثلتها الصارخة تاورغاء والعوينية، وشُنَّت حروب وحشية على مدن أخرى، كما حدث في بني وليد وبراك والجميل والعوينية وغيرها. وكان الشعار المعلن الذي رُفع دون خجل ولا مواربة هو تصفية النظام السابق.
اليوم، بعد عقد ونصف من الزمان، يدرك الليبيون جميعًا حجم المأساة التي حلَّت بهم، وأي أذى لحق ببلادهم. فعلى الصعيد الأمني تعم البلاد فوضى عارمة في غياب القانون وعدم وجود مؤسساته الشرطية والقضائية، وانتشار الفساد والنهب العلني للأموال الخاصة والعامة، وتحويل ليبيا إلى مجموعة من الكانتونات تُدار بواسطة عصابات مسلحة، وحكومة مركزية صورية فرضتها الدول الكبرى المتداخلة في ليبيا عام 2011، وانهيار كلي للخدمات. ولعل أكثر أمثلة ذلك الماثلة للعيان ما يشهده قطاع الكهرباء من انهيار مريع، حيث وصل الحال بالليبيين إلى أن ينتظروا لساعات عودة التيار الكهربائي، ليس لتشغيل المصانع وري المزارع وضمان خدمات المستشفيات والجامعات ومراكز البحوث والنقل، بل صارت أكثر الأماني تطلعًا هي التمكن من شحن جهاز الهاتف أو تشغيل المكيف في فترات الحر الشديد أو تشغيل بعض المعدات المنزلية.
الليبيون ينتظرون عودة الكهرباء، وعندما تعود ينتظرون انقطاعها، وهكذا دواليك!
أما عن الرعاية الصحية، فحدِّث ولا حرج؛ لا دواء ولا مستلزمات، في ظل نمو قطاع خاص طفيلي على حساب سلسلة ضخمة من المراكز الصحية المتطورة التي أُنشئت خلال 40 عامًا، من المستشفيات العامة والتخصصية، والمراكز الصحية، والعيادات المجمعة، والمعامل، ومصانع الأدوية، وسلسلة مخازن الأدوية المبردة الآمنة، التي صارت كلها خاوية على عروشها تقريبًا. وتحول آلاف الأطباء وأطباء الأسنان والصيادلة الذين تم إعدادهم في أوسع عملية تنمية بشرية في قطاع الصحة شهدها العالم في العصر الحديث إلى مجرد موظفين ينتظرون مرتباتهم التي بالكاد تكفي الحد الأدنى لمعيشتهم، بينما قلة قليلة منهم، سعيًا لكسب الرزق، تركض من عيادة إلى أخرى.
التعليم ليس أفضل حالًا من الصحة، فالدراسة شبه متوقفة من الناحية العملية، والعملية التعليمية مجرد شكل بلا محتوى، يمكن قراءته في نتائج الامتحانات النهائية للمراحل المختلفة، فكل الطلاب ناجحون، وأغلبهم بتقدير ممتاز.
لكم أن تتخيلوا شكل المجتمع الليبي بعد سنوات، عندما تتكون قاعدته المتعلمة من أناس فاشلين ينتقلون من مرحلة إلى أخرى بالتزوير والغش والوساطة، ولكم أن تتخيلوا أيضًا نوعية المعلمين الذين يقبلون على أنفسهم أن يساهموا في أقذر عملية غش رسمية واسعة في التعليم، في العالم، في تقديري.
ولولا بصيص ضوء من الشرق، حيث نجحت القوات المسلحة العربية الليبية في إعادة بناء نفسها بإمكانات متواضعة، لقلنا على ليبيا السلام!
