بين الحر والمرض وتعطل الحياة

بقلم/ سعاد الجروشي
انهيار شبكة الكهرباء في ليبيا، إلى متى تستمر معاناة المواطنين؟
لم تعد أزمة الكهرباء في ليبيا مجرد انقطاع عابر أو مشكلة مؤقتة يمكن للمواطنين تجاوزها بالصبر والاحتمال، بل تحولت إلى معاناة يومية تثقل كاهل الناس، وتربك تفاصيل حياتهم، وتسرق من أيامهم أبسط مقومات الاستقرار. ففي بعض المدن والمناطق، تتجاوز ساعات طرح الأحمال اثنتي عشرة ساعة يوميًّا، وكأن المواطن أصبح مطالبًا بأن يكيِّف حياته كلها مع غياب الكهرباء، بدلًا من أن تكون هذه الخدمة الأساسية متاحة له بصورة طبيعية ومستقرة.
ومع كل انقطاع للتيار، تبدأ معاناة جديدة، وتتسع دائرة المتضررين. تتوقف الأجهزة، وتتجمد الأعمال، وتخفت حركة الحياة داخل البيوت، بينما يواصل الناس انتظار عودة الكهرباء، دون أن يعرفوا متى ستعود أو كم من الوقت ستبقى متاحة.
الأطفال، الذين يحتاجون إلى بيئة هادئة ومريحة للنوم والدراسة، يجدون أنفسهم في مواجهة الحر الشديد والظلام، بينما يتحمل كبار السن ساعات طويلة من المشقة، خصوصًا في أيام الصيف القاسية. أما المرضى، فمعاناتهم أكثر قسوة، إذ يعتمد كثيرون على أجهزة طبية لا يمكنها العمل دون الكهرباء، لتتحول ساعات الانقطاع بالنسبة إليهم من مجرد إزعاج إلى مصدر حقيقي للخوف والقلق.
وتزداد المعاناة قسوة في البيوت التي يعيش فيها أشخاص من ذوي الهمم، فهناك من يعتمد على الأسرَّة الكهربائية، وأجهزة الرفع والحركة، وغيرها من الوسائل التي تساعدهم على ممارسة حياتهم اليومية بقدر أكبر من الراحة والاستقلالية. وعندما ينقطع التيار، تتحول الاحتياجات البسيطة إلى تحديات شاقة، وتجد الأسر نفسها أمام مسؤوليات إضافية، في وقت تفتقر فيه إلى حلول مستقرة ودائمة.
ولا تتوقف آثار أزمة الكهرباء عند أبواب المنازل، بل تمتد إلى مختلف مناحي الحياة. فالمحال التجارية والمكاتب والورش والمصانع تتأثر بشكل مباشر، كما تتعطل الأعمال التي تعتمد على أجهزة الحاسوب والإنترنت. ساعات عمل تضيع، ومصالح تتأجل، وأرزاق تتأثر، ومواطن ينتظر عودة التيار حتى يتمكن من إنجاز أبسط مهامه، وكأن الزمن نفسه أصبح مرتبطًا بموعد عودة الكهرباء.
إن استمرار الأزمة بهذا الشكل يفرض سؤالًا مؤلمًا ومشروعًا: إلى متى سيبقى المواطن الليبي يدفع ثمن أزمة الكهرباء من راحته وصحته وعمله وحياته اليومية؟
فالكهرباء ليست رفاهية، ولا خدمة ثانوية يمكن الاستغناء عنها، بل هي أساس من أسس الحياة الحديثة، وحق يرتبط بالصحة والتعليم والعمل والأمان والكرامة الإنسانية.
لقد طال الانتظار، وتكررت الوعود، وتعددت التبريرات، بينما بقي المواطن في مواجهة الظلام والحر والقلق. وبين انقطاع وآخر، تتآكل قدرة الناس على الاحتمال، ويكبر السؤال في نفوسهم: متى تنتهي هذه المعاناة؟
إن ليبيا اليوم لا تحتاج إلى حلول مؤقتة تُسكت الأزمة لبعض الوقت، بل إلى معالجة جادة وجذرية تعالج أسبابها، وتضع معاناة المواطنين في مقدمة الأولويات. فالمواطن الليبي لا يطلب ترفًا، ولا امتيازًا، بل يطالب بحقه الطبيعي في خدمة أساسية، وبحياة مستقرة لا تُدار على إيقاع انقطاع الكهرباء وعودتها.
فإلى متى يبقى المواطن الليبي أسيرًا للظلام؟ وإلى متى تظل الكهرباء حلمًا مؤجلًا، بينما هي حق أساسي لا ينبغي أن يُحرم منه أي إنسان؟
