من ذاكرة الجهاد الى أزمة الانتماء الوطني

بقلم/ فرج عيواز
أذكر عندما كنت تلميذًا في المرحلة الإعدادية، درسنا في مقرر مادة المطالعة، نصًّا بعنوان “خولة بين الحاضر والماضي” قارن بين خولة بنت الأزور، والمجاهدات الليبيات، اللاتي شاركن في مقاومة الغزو الإيطالي البغيض. بوصفهن امتدادًا لبطولات المرأة العربية المسلمة في ساحات الجهاد.
وتأتي هذه المقالة امتدادًا لذلك العنوان، ولكن في سياق مختلف، إذ تنتقل من المقارنة التاريخية إلى محاولة فهم بعض الظواهر التي برزت في ليبيا في (2011م) وما تلاها. فقد أثارت تصرفات بعض الليبيين وما زالت، على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية وتوجهاتهم الفكرية والعقائدية، كثيرًا من الاستغراب وعلامات الاستفهام، لدى المتابعين للشأن الليبي، وهي تساؤلات أرى أنها تستحق البحث والتأمل. ومن بين ما استوقفني في هذا السياق ما ورد في أحد الإصدارات المشتركة عن ليبيا بعد عام 2011م لكاتبين، أحدهما روسي والآخر إيطالي، إذ قالا: “الليبيون الذين قاتلوا الإيطاليين بشراسة منقطعة النظير، يكبرون والناتو يدمر في بلادهم” ولا أدرِ أكان اقتصارهما على هذه الصورة مقصودًا أم جاء بعفوية، إذ تجاهلا أن توجيه تلك الضربات كان أغلبه يعتمد على معلومات يقدمها ليبيون. وإذا كان هذا التجاهل مقصودًا فإنه يثير تساؤلًا جوهريًّا: وهو أين ذلك العامل العقائدي الذي كان الدافع الأقوى للجهاد ضد الإيطاليين، متجاوزًا فارق القوة، وصدور فتاوى تحرم قتالهم، وتدعو إلى التعامل مع الأمر، باعتباره قدرًا فرضته القوة والغلبة.
ليس المقصود من هذه المقالة، تقييم مرحلة ما من تاريخنا، ولا إصدار أحكام على أحداث أثارت كثيرًا من الجدل والدهشة، حتى رآها البعض ضمن مقولة “من ليبيا يأتي الجديد”. وإنما الغاية البحث في تلك الأسباب التي أفضت إلى تلك المواقف، ومحاولة فهم العوامل التي أسهمت في إنتاجها. وذلك لا يعني التغاضي عن الحكم الأخلاقي على تلك الأفعال، إذ إن أقل ما يمكن أن توصف به أنها أفعال مشينة. فإن كان بعض أصحابها لا يجدون حرجًا من الإعلان عنها والتفاخر بها، فإن الزمن كفيل بالحكم عليها، وقد تنظر إليها الأجيال اللاحقة بوصفها مواقف تتعارض مع قيم الوفاء والانتماء الوطني.
ويقدم تاريخنا الوطني نموذجًا جديرًا بالبحث في أثر منظومة القيم الوطنية، في توجيه مواقف الشعوب عند الأزمات.
فالمطلع على تاريخ الحقبة العثمانية في الوطن العربي، سيكتشف أنها كانت الأسوأ في ليبيا، ومع ذلك لم يتخذ الليبيون من ذلك ذريعة للتعاون مع الغزو الإيطالي، وآمنوا أن الدفاع عن الوطن واجب مقدس، لا يسقط بسبب ظلم الحاكم. فلم يضعوا أيديهم في يد الغزاة، كما فعلت بعض الشعوب. لقد كانت العقيدة الوطنية آنذاك أقوى من الخصومات السياسية، وأرسخ من مشاعر الغضب تجاه السلطة القائمة.
ومن هنا، تبدو المقارنة بين ليبيا الماضي وليبيا الحاضر، ضرورة لفهم ما طرأ على المشهد من تحولات، لا بقصد إدانة الماضي أو تمجيده، وإنما لفهم الأسباب التي صنعت الاختلاف بين المرحلتين.
إن نقد الذات ليس إدانة للنفس، وإنما مراجعة ضرورية لتصحيح المسارات. فكما يحتاج المهندس إلى فحص آلته بصورة دورية لضمان استمرارها، تحتاج المجتمعات إلى مراجعة تاريخها لفهم أسباب النجاح والإخفاق، ولذلك فإن أسئلة: لماذا؟ وكيف؟ ليست أسئلة للمحاسبة، بل لفهم واستخلاص الدروس.
فلماذا أجدادنا في 1911م قاوموا إيطاليا ولم تجد إيطاليا عملاء إلا بالقدر الذي لم يحقق طموحاتها؟ بينما برزت في 2011م مواقف يصعب تصور حدوثها في الوجدان الوطني الذي عرف عن الليبيين.
قد يعزو البعض ذلك إلى طبيعة المرحلة التي سبقت أحداث 2011م، وهذا مبرر غير كافٍ، فأجدادنا واجهوا أوضاعًا أشد قسوة، ومع ذلك لم تتحول مظالم الداخل إلى مبرر للاستعانة بالخارج والتعاون معه. وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل تغيرت المواقف وحدها، أم نتيجة لتحول أعمق في مفهوم العقيدة الوطنية؟ والذي يمثل منظومة قيم ومبادئ راسخة في وجدان الأمة، تكتسبها من خلال التنشئة الاجتماعية والتعليم والثقافة الوطنية، تغرس فيها حب الوطن والإخلاص له، والاستعداد للتضحية من أجله بثبات وشجاعة؟
وبالعودة إلى ما أثاره الكاتبان الروسي والإيطالي، من استغراب، فإن الاستغراب الحقيقي لا يقف عند تلك المواقف، بل يتجاوزها إلى الأسباب التي جعلتها ممكنة، فهي ليست سوى ظاهرة أعمق تستحق البحث.
وفي تقديري، لا يمكن تفسير هذه المواقف بمجرد الخلاف السياسي أو الغضب من السلطة، لأن الخلافات السياسية لا تخلو منها أمة، ولكنها ليست مبررًا للاستعانة بالخارج على حساب الوطن. والأقرب للتفسير هو أن هذه الظاهرة تكشف عن خلل في ترسيخ العقيدة الوطنية، حتى صار الوطن عند بعض الناس أقل أهمية من المصالح الشخصية، والانتماءات الضيقة. وهذا الخلل لا يتحمله فرد أو نظام وحده، بل نتيجة تراكمات اشتركت فيها مؤسسات الدولة والمجتمع، بدءًا من الأسرة والمدرسة، والخطاب الديني والإعلام والثقافة العامة والممارسات السياسية. فعندما تشوه العقيدة الوطنية أو تنعدم، فإن الضحية هو الوطن.
ولعل هذا هو الهدف الذي أراد كاتب النص أن يغرسه في أجيال المستقبل، حين قدم المجاهدات الليبيات كامتداد لخولة بنت الأزور، نموذجًا للمرأة الليبية وكيف يجب أن تكون. فخولة الليبية لا تختلف عن خولة بنت الأزور، وهي ليست قصة تحكى، وإنما رمز وقدوة ودرس في العقيدة الوطنية، تؤمن بأن الدفاع عن الوطن والتضحية من أجله، قيمة تسمو على الأخلاق، لا تتغير ولا تتقلب مع الظروف.
وإذا أردنا أن نداوي جراح الوطن، فلن يكون ذلك بسرد التاريخ، وإنما بإحياء المعنى الذي يمثله، فالأوطان لا يحميها السلاح وحده، وإنما تحميها عقيدة وطنية راسخة في وجدان أبنائها.
