كوامي نكروما: فلسفةُ الوحدة الأفريقية – الجزء الثالث

بقلم / محمد نبيغ
لم ينظر كوامي نكروما إلى الوحدة الأفريقية باعتبارها شعارًا عاطفيًّا أو حلمًا مثاليًّا يصعب تحقيقه، بل تعامل معها بوصفها ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة النظام الدولي. فالعالم، في نظره، لا تحكمه النوايا الحسنة، وإنما تحكمه موازين القوة، والقدرة على حماية المصالح، وبناء التكتلات الاقتصادية والسياسية والعسكرية القادرة على فرض حضورها في معادلات القرار العالمي.
ومن هذا المنطلق، رأى أن استمرار القارة في صورة عشرات الدول الصغيرة والمتفرقة، مهما امتلكت كل واحدة منها من موارد، سيجعلها عاجزة عن تحقيق السيادة الكاملة، لأن كل دولة ستظل مضطرة إلى البحث منفردة عن التمويل، والاستثمار، والحماية الأمنية، والأسواق الخارجية، وهو ما يكرس حالة الاعتماد البنيوي على القوى الكبرى ويضعف القدرة الجماعية للقارة على التفاوض وصنع القرار.
ولذلك لم تكن دعوته إلى الوحدة نابعة من اعتبارات وجدانية أو قومية فحسب، وإنما من قراءة دقيقة للاقتصاد السياسي العالمي. فقد كانت أفريقيا، ولا تزال، تمتلك واحدًا من أكبر المخزونات الاستراتيجية للثروات الطبيعية في العالم؛ من الذهب واليورانيوم والنفط والغاز والنحاس والكوبالت والمنغنيز والفوسفات والماس والعناصر الأرضية النادرة، إضافة إلى الأراضي الزراعية الشاسعة، والثروة المائية، والكتلة السكانية الشابة التي تمثل أحد أكبر الاحتياطيات البشرية في القرن الحادي والعشرين.
غير أن هذه الوفرة الهائلة لم تتحول إلى قوة اقتصادية موازية، لأن معظم الاقتصادات الأفريقية ظلت تعتمد على تصدير المواد الخام في صورتها الأولية، بينما تُنقل عمليات التصنيع والتكنولوجيا والقيمة المضافة إلى الخارج، فتعود المنتجات المصنعة إلى الأسواق الأفريقية بأسعار مرتفعة، لتستمر الحلقة نفسها التي تجعل القارة مصدرًا للثروة ومستوردًا للقيمة المضافة.
ومن هنا كان نكروما يرى أن المشكلة الحقيقية ليست نقص الموارد، وإنما غياب التكامل الذي يسمح بتحويل تلك الموارد إلى قوة إنتاجية مستقلة. فالدولة التي تمتلك المعادن تحتاج إلى الدولة التي تمتلك الموانئ، وهذه تحتاج إلى الدولة التي تمتلك مصادر الطاقة، وتلك تحتاج إلى الأسواق ورؤوس الأموال والموارد البشرية. وعندما تعمل هذه الإمكانات في إطار منفصل، فإنها تفقد كثيرًا من قيمتها الاستراتيجية، أما إذا جرى توظيفها ضمن مشروع قاري متكامل فإنها تتحول إلى قاعدة لبناء قوة اقتصادية عالمية.
ولذلك سبق نكروما عصره عندما طرح تصورًا مؤسسيًّا لما سماه «الولايات المتحدة الأفريقية»، وهو مشروع لم يكن يرمي إلى إلغاء الدول الوطنية أو طمس خصوصياتها، بل إلى إنشاء مؤسسات سيادية مشتركة تتولى إدارة المصالح الكبرى للقارة، وتمنحها قدرة تفاوضية توازي ما تمتلكه من ثروات وإمكانات.
وقد ارتكز هذا التصور على أربعة أعمدة رئيسية.
أولها، إنشاء جيش أفريقي موحد يكون قادرًا على حماية الأمن القاري، وردع التدخلات الخارجية، وتقليل الاعتماد على الأحلاف العسكرية الأجنبية أو قوات حفظ السلام التي كثيرًا ما ارتبطت بحسابات القوى الدولية أكثر من ارتباطها بالمصالح الأفريقية.
وثانيها، إقامة بنك مركزي أفريقي ونظام نقدي أكثر استقلالًا، بما يعزز السيادة المالية، ويحد من التبعية للعملات الأجنبية، ويفتح المجال أمام سياسات نقدية تخدم أولويات التنمية داخل القارة، وهي أفكار عادت إلى الواجهة في النقاشات المعاصرة حول إصلاح الأنظمة النقدية في عدد من الأقاليم الأفريقية.
أما الركيزة الثالثة فتمثلت في إنشاء سوق اقتصادية أفريقية مشتركة، تزيل الحواجز التجارية، وتشجع الاستثمار البيني، وتربط سلاسل الإنتاج بين الدول الأفريقية، بما يسمح بالانتقال من تصدير المواد الخام إلى تصنيعها داخل القارة، ورفع القيمة المضافة، وتوفير فرص العمل، وتعزيز الأمن الغذائي والصناعي.
في حين تمثلت الركيزة الرابعة في بناء سياسة خارجية موحدة، لأن التفاوض باسم قارة يزيد عدد سكانها على مليار نسمة ويملك هذا الحجم من الموارد، يختلف جذريًّا عن تفاوض عشرات الدول الصغيرة بصورة منفردة، حيث تتباين المواقف وتتشتت المصالح وتضعف القدرة على التأثير في القرارات الدولية.
وبذلك أصبحت الوحدة، في فلسفة نكروما، معادلة جيواقتصادية قبل أن تكون شعارًا سياسيًّا. فهي الوسيلة التي تسمح بتحويل الثروة الطبيعية إلى قوة إنتاجية، وتحويل الكتلة السكانية إلى سوق موحدة، وتحويل الموقع الجغرافي إلى مركز للتجارة العالمية، وتحويل التنوع الأفريقي من مصدر للتنافس إلى مصدر للتكامل.
ولعل التطورات التي شهدتها القارة خلال العقود الأخيرة تمنح بعض أفكاره بعدًا جديدًا؛ إذ اتجهت الدول الأفريقية إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والإقليمي، وبرزت مبادرات للتكامل التجاري واللوجستي، وفي مقدمتها منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، في محاولة لتقليص التجزئة الاقتصادية ورفع حجم التجارة البينية، وهو ما يعكس استمرار حضور الرؤية النكرومية في النقاشات المتعلقة بمستقبل التنمية والسيادة الاقتصادية في أفريقيا، حتى وإن اختلفت آليات التطبيق وظروف المرحلة التاريخية.
لقد كان نكروما مقتنعًا بأن القرن الذي لا تستطيع فيه أفريقيا توحيد إرادتها الاقتصادية والسياسية سيكون قرنًا تُستغل فيه ثرواتها أكثر مما تستفيد منها، وأن القارة لن تنتقل من هامش النظام الدولي إلى مركزه إلا عندما تصبح شريكًا جماعيًّا يمتلك القدرة على إنتاج القوة، لا مجرد مصدر للمواد الأولية أو ساحة مفتوحة للتنافس بين القوى الكبرى.
