الترقية بين القرار الإداري والمرتب

بقلم / غادة الصيد
ليس كل أثر مالي ينشئ حقًا، وليس كل صرف للمرتب يُعد دليلًا على قيام مركز قانوني صحيح. فالأصل في القانون الإداري أن الحقوق الوظيفية لا تستمد مشروعيتها من الإجراءات المالية، وإنما من القرارات الإدارية الصادرة وفقًا لأحكام القانون، باعتبارها المصدر المنشئ للمراكز القانونية والمنتجة لآثارها.
ومن هذا المنطلق يثور تساؤل عملي وقانوني بالغ الأهمية: هل يُعد صرف المرتب على الدرجة الأعلى قرينة على صحة الترقية ومشروعيتها، أم أن هذا الصرف لا يعدو أن يكون أثرًا ماليًّا مترتبًا على قرار إداري؟ فإذا افتقد القرار مشروعيته أو شابه عيب من عيوب عدم المشروعية، ظل صرف المرتب عاجزًا عن تصحيح هذا العيب أو إنشاء حق لا سند له من القانون.
وتزداد أهمية هذا التساؤل في ظل ما تشهده بعض الجهات الإدارية من صرف مرتبات على درجات وظيفية أعلى قبل استكمال الإجراءات القانونية، رغم وجود منازعة بشأن مشروعية الترقية، الأمر الذي يقتضي التمييز بين مصدر الحق وأثره، وبين القرار الإداري باعتباره منشئًا للمركز القانوني، وصرف المرتب باعتباره أثرًا ماليًّا يترتب على قيام ذلك المركز، لا سببًا في إنشائه.
فالترقية مركز وظيفي جديد يترتب عليه تغيير الدرجة الوظيفية، والأقدمية، والمسار الوظيفي، والحقوق المستقبلية للموظف. ولهذا اشترط قانون علاقات العمل رقم (12) لسنة 2010 أن تصدر الترقية بقرار من الجهة المختصة بعد استيفاء الإجراءات والشروط القانونية المقررة.
أما منح الدرجة ماليًا فقط، دون قرار ترقية ودون استكمال الإجراءات القانونية، فلا يُعد ترقية وظيفية مكتملة الأركان، وإنما يبقى إجراءً ماليًّا لا يغني عن الترقية القانونية. وقد يواجه الموظف مستقبلًا إشكالات عند احتساب الأقدمية أو الترقيات اللاحقة، أو عند مراجعة ملفه الوظيفي، لأن الأساس القانوني للترقية غير موجود، رغم آثارها المالية.
ولهذا فإن الإجراء الصحيح لاستدراك الوضع يكون بمخاطبة إدارة الموارد البشرية أو الشؤون الإدارية كتابيًا، لعرض الحالة على لجنة شؤون الموظفين، ودراسة مدى استحقاق الترقية، واستكمال الإجراءات القانونية اللازمة، وإصدار القرار الإداري الصحيح إذا توافرت شروط الترقية. وفي حال وجود خطأ إداري سابق أو تأخر في استكمال الإجراءات، فإن معالجة الوضع قانونيًّا تظل أفضل من استمرار وجود مركز وظيفي غير مستقر من الناحية القانونية.
وفي الختام، فإن مشروعية الترقية لا تستمد من صرف المرتب، وإنما من القرار الإداري الصحيح الصادر وفقًا للقانون. فصرف المرتب، مهما طال أمده، لا ينشئ مركزًا قانونيًّا، ولا يضفي المشروعية على قرار معيب، ولا يكسب الموظف حقًّا لم يقرره القانون، فهو أثر مالي يتبع الترقية الصحيحة ولا يقوم مقامها.
ومن ثم، فإن الخلط بين مصدر الحق وأثره يفضي إلى نتائج تخالف مبادئ المشروعية وسيادة القانون، إذ يبقى القرار الإداري هو الأساس الذي تُبنى عليه الحقوق الوظيفية، بينما يظل صرف المرتب مجرد نتيجة تترتب على قيام هذا الأساس، لا سببًا في إنشائه. وعليه، فإن معيار صحة الترقية ليس انتقال الموظف إلى مرتب الدرجة الأعلى، وإنما استيفاء القرار الإداري لجميع أركانه وشروطه القانونية، باعتباره وحده المنشئ للمركز القانوني والضامن لاستقرار الحقوق وصون مبدأ المشروعية.
