مقالات الرأي

طرابلس بالأضواء.. والزاوية بالدماء



بقلم / عفاف الفرجاني

جميعنا يتكلم عن مدينة الزاوية، كونها أصبحت مرتعًا للجريمة والسرقة وحروب الميليشيات وتجارة المخدرات… الخ.

في تقديري ليست المشكلة في مدينة الزاوية، بل في ما آلت إليه الدولة داخل الزاوية. فالمدينة، الواقعة على بعد نحو أربعين كيلومترًا غرب العاصمة طرابلس، ليست مجرد مدينة ساحلية، بل تضم واحدة من أهم المنشآت الاستراتيجية في ليبيا، وهي مصفاة الزاوية، التي تمثل شريانًا رئيسيًّا لإمدادات الوقود في المنطقة الغربية. ومع ذلك، تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى عنوان متكرر للاشتباكات المسلحة، والانفلات الأمني، وتعطل مؤسسات الدولة.

كلما اعتقد الليبيون أن المدينة تتجه نحو الهدوء، عاد صوت الرصاص ليعلن أن القانون لا يزال عاجزًا عن فرض نفسه. اشتباكات تتجدد، وطرق تغلق، ومدنيون يلتزمون منازلهم، ومؤسسات حيوية تعلن حالة الطوارئ أو توقف أعمالها خوفًا من القذائف التي تسقط في محيطها. وعندما تصل الاشتباكات إلى محيط منشآت نفطية استراتيجية وتتوقف المصفاة عن العمل، فإن ذلك لا يمثل أزمة محلية، بل ينعكس على الاقتصاد الليبي كله.

وفي الوقت الذي تنشغل فيه الحكومة بتنظيم ليالي المدينة القديمة، ومهرجانات الصيف، والأنشطة الاحتفالية التي تقدم طرابلس في صورة مدينة تنعم بالاستقرار، يبقى السؤال الأهم: هل تكفي الأضواء والموسيقى لتغيير الواقع؟

الحقيقة أن تزيين الواجهة لا يعني أن ما خلفها بخير. فمن السهل إقامة المهرجانات، لكن الأصعب هو أن يشعر المواطن في الزاوية، أو صبراتة، أو الجميل، أو الزنتان، أو أي مدينة أخرى، أن حياته محمية بالقانون لا بميزان القوة بين الجماعات المسلحة.

أخبروا الرئيس، أن ليبيا لا تختزل في حي الأندلس، ولا في السياحية، ولا في غرغور، ولا في السراج. ليبيا وتحديدًا مناطق سلطتك، تمتد من مصراتة إلى راس جدير، وكل شبر داخل هذه الرقعة هو مسؤولية الدولة. وعندما تستمر حوادث العنف، وتتكرر الاشتباكات، ويصبح المواطن أسير الخوف، فإن ذلك يفرض أسئلة مشروعة حول فاعلية السياسات الأمنية، وقدرة مؤسسات الدولة على بسط سيادتها.

ولهذا، فإن الحديث عن توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية لم يعد مجرد شعار سياسي، بل ضرورة وطنية. ففرض سيادة القانون يحتاج إلى مؤسسات دولة موحدة وقادرة على مواجهة الجماعات المسلحة الخارجة عن القانون، مع دعم جميع الأجهزة الأمنية والقضائية لتقوم بدورها كاملًا. فلا يمكن بناء دولة مستقرة بينما يبقى السلاح المنفلت أقوى من القانون، ولا يمكن استعادة ثقة المواطن ما دام يشعر أن حياته مرهونة باشتباك قد يندلع في أي لحظة.

الدول لا تقاس بعدد المؤتمرات الصحفية، ولا بعدد الفيديوهات الدعائية، ولا بحجم المهرجانات والاحتفالات. الدول تقاس بقدرتها على حماية مواطنيها، وصيانة مؤسساتها، وفرض هيبة القانون على الجميع دون استثناء. وما يحدث في الزاوية اليوم ليس قضية مدينة بعينها، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة الليبية على استعادة سلطتها، قبل أن يصبح الاستثناء هو الاستقرار، وتصبح الفوضى هي القاعدة.

زر الذهاب إلى الأعلى