مقالات الرأي

باب المندب وهرمز.. اختبار قاس للأمن الاقتصادي العربي



بقلم / عثمان الدعيكي

في عالم مترابط اقتصاديًّا، لم تعد تقتصر آثار الحروب على أطرافها المباشرين، بل تمتد لتصيب سلاسل التجارة والطاقة والغذاء في مختلف أنحاء العالم. ويبرز اليوم سيناريو بالغ الخطورة يتمثل في احتمال إغلاق مضيق باب المندب، بالتزامن مع استمرار إغلاق مضيق هرمز، نتيجة اتساع رقعة المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وإذا تحقق هذا السيناريو، فإن الدول العربية، وفي مقدمتها مصر التي تعتمد في مواردها على حركة الملاحة في قناة السويس وكذلك الاقتصادات الهشة مثل ليبيا واليمن ولبنان والسودان، ستكون من أكثر المتضررين، ليس فقط بسبب ارتفاع تكاليف الاستيراد، بل أيضًا نتيجة اعتمادها الكبير على الخارج في تأمين احتياجاتها الأساسية.

ويمثل مضيق هرمز أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم، إذ يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، أي ما يقارب 20 مليون برميل يوميًّا، إضافة إلى ما يقارب 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال. أما مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، فيعبر من خلاله يوميًّا ما بين 6 و9 ملايين برميل من النفط، إلى جانب ما يقارب 12% من حجم التجارة العالمية وعشرات الآلاف من السفن سنويًّا. وتعطيل هذين الممرين في وقت واحد سيؤدي إلى اضطراب غير مسبوق في حركة التجارة الدولية، وارتفاع كبير في تكاليف النقل والتأمين، وانخفاض كفاءة سلاسل الإمداد العالمية.

وتشير تقديرات مؤسسات مالية دولية إلى أن أسعار النفط قد تقفز في مثل هذا السيناريو إلى ما بين 120 و150 دولارًا للبرميل، وربما تتجاوز ذلك إذا طال أمد الأزمة. كما قد ترتفع تكاليف الشحن البحري بأكثر من 50%، بينما تقفز أقساط التأمين على السفن إلى مستويات غير مسبوقة، وهو ما سينعكس مباشرة على أسعار السلع الغذائية والمواد الخام والمنتجات الصناعية في الأسواق العربية.

ورغم أن بعض الدول العربية المصدرة للنفط قد تستفيد نظريًّا من ارتفاع الأسعار، فإن المكاسب ستكون محدودة إذا تعذر تصدير جزء من الإنتاج أو ارتفعت تكاليف الشحن بشكل كبير. أما الدول المستوردة للنفط والغذاء فستواجه ضغوطًا مالية هائلة، تتمثل في اتساع عجز الموازنات، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع القوة الشرائية للمواطنين، فضلًا عن زيادة معدلات الفقر والبطالة.

وفي ليبيا، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فالاقتصاد الليبي يعتمد بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية التي تشكل أكثر من 90% من إجمالي الصادرات، وما يزيد على 95% من إيرادات الدولة. وفي المقابل تعتمد البلاد على الاستيراد لتوفير معظم احتياجاتها الغذائية والدوائية والصناعية. ومع ارتفاع تكاليف الشحن وإطالة مسارات السفن حول رأس الرجاء الصالح في حال تعطل باب المندب، سترتفع أسعار السلع الأساسية بصورة كبيرة، وستتعرض الأسواق لموجات من نقص بعض المنتجات، خاصة إذا تزامن ذلك مع اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية.

كما أن أي اضطراب في تصدير النفط الليبي أوفي حركة الناقلات سيؤثر مباشرة على تدفق الإيرادات العامة، الأمر الذي قد ينعكس على قدرة الدولة في الإنفاق على الخدمات الأساسية، ودعم السلع، وتمويل مشروعات التنمية. وفي ظل الانقسام السياسي والمؤسساتي الذي تعانيه ليبيا، تصبح القدرة على امتصاص مثل هذه الصدمات أقل بكثير مقارنة بالدول ذات الاقتصادات الأكثر تنوعًا.

ولا تقتصر المخاطر على الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى الأمن الغذائي. فالعديد من الدول العربية تستورد أكثر من نصف احتياجاتها الغذائية، وبعضها يعتمد بنسبة تتجاوز 80% على الواردات. وأي تأخير في وصول الشحنات أو ارتفاع في أسعار النقل سيؤدي إلى زيادة أسعار القمح والزيوت والسكر والأرز والأعلاف، بما ينعكس على أسعار الخبز واللحوم والدواجن ومنتجات الألبان، وهو ما يضع ضغوطًا إضافية على الأسر محدودة الدخل.

وتكشف هذه الأزمة أيضًا عن حقيقة استراتيجية طالما تجاهلتها العديد من الدول، وهي أن الاعتماد المفرط على الحماية الخارجية لا يوفر بالضرورة الأمن الاقتصادي أو الاستقرار الإقليمي. فقد أثبتت التطورات الأخيرة أن القوى الكبرى تتحرك وفق مصالحها الوطنية أولًا، وأن التحالفات العسكرية لا تستطيع ضمان استمرار انسياب التجارة أو حماية الاقتصاد من تداعيات الصراعات. كما أن وجود قواعد عسكرية أجنبية أو ترتيبات أمنية دولية لم يمنع تعطل الملاحة في البحر الأحمر، ولم يحل دون تعرض السفن التجارية لهجمات متكررة، وهو ما يؤكد أن الأمن الحقيقي يبدأ ببناء قدرات وطنية وإقليمية مستقلة، وتعزيز التعاون العربي في مجالات الأمن البحري والاقتصادي.

ومن أبرز الدروس التي فرضتها الأزمة أن الاقتصادات العربية بحاجة إلى مراجعة جادة لأولوياتها، من خلال تنويع مصادر الدخل، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتطوير الصناعات الغذائية والدوائية، وإنشاء مخزونات استراتيجية من السلع الأساسية، إلى جانب الاستثمار في الموانئ والخدمات اللوجستية ورفع كفاءة سلاسل الإمداد. كما أن تعزيز التكامل الاقتصادي العربي لم يعد خيارًا سياسيًّا فحسب، بل أصبح ضرورة استراتيجية لمواجهة الأزمات العالمية.

وفي المحصلة، فإن إغلاق باب المندب واستمرار إغلاق هرمز لن يكون مجرد أزمة ملاحية عابرة، بل قد يتحول إلى واحدة من أخطر الصدمات الاقتصادية التي تواجه المنطقة منذ عقود. وستكون الدول ذات الأوضاع السياسية والاقتصادية الهشة، ومنها ليبيا، الأكثر عرضة لتداعياتها. وبينما قد تتغير موازين القوى العسكرية مع مرور الوقت، فإن الثابت هو أن الأمن الاقتصادي لا يُشترى بالتحالفات وحدها، وإنما يُبنى عبر اقتصاد متنوع، ومؤسسات قوية، واكتفاء نسبي من الاحتياجات الأساسية، وسياسات وطنية تقلل من الارتهان للخارج وتمنح الشعوب قدرة أكبر على مواجهة الأزمات مهما كانت طبيعتها.

زر الذهاب إلى الأعلى