مقالات الرأي

حكومات العرّاسة.. بين الوهم والواقع!!



بقلم / د_ مصطفى الزائدي

من العادات الليبية القديمة، ضمن البرامج الترفيهية لأفراح الزواج للرجال، تشكيل “العرّاسة”، حيث ينتظم رفاق العريس وأصدقاؤه من غير المتزوجين ليكونوا فريقًا يتواجد يوميًّا مع العريس، يمارسون دور العسكر الذي يحمي العريس “السلطان”، ربما في تقليد لحالة السلطان العثماني، ويتولى ترؤس العرّاسة “الشاوش”، وهو الشخص الذي يستعد للزواج بعد انتهاء مراسم العرس.

يمارس العرّاسة ألعابًا رياضية تستمر لمدة أسبوع، وتنتهي بمأدبة يقيمها العريس في بيته إيذانًا بانتهاء مراسم العرس وعودة الحياة لطبيعتها.

طيلة أيام الأسبوع يستضيف أصدقاء العريس وأقاربه العرّاسة في مآدب غداء وعشاء يحضرها ضيوف لا يتواجدون بشكل دائم مع العرّاسة، ويطلق عليهم في الغرب الليبي “المحاميد”. وأثناء المآدب يحاول أولئك الضيوف سرقة شيء من مقتنيات العريس وتهريبها خلسة إلى “السلطانة” العروس، وإذا نجحوا في ذلك يُفرض على العرّاسة دفع مبالغ مالية لاستردادها.

المهم، إذا شاهد المرء العرّاسة، وطريقة تصرفهم مع السلطان، ومع المحاميد، ومع بعضهم، يُخيّل إليه أنه في قصر سلطاني وأمام عسكر عثماني مدرب وسلطة قوية.

ما دفعني لتناول هذا الموضوع هو حكومة جنيف التي تشكلت الجمعة الماضية، وبيانات رئيسها، وحيثية وزيرة خارجيتها، وهوية المجموعات الدولية التي رعتها واعتمدتها، فهي لا تختلف إطلاقًا عن حكومة العرّاسة، خاصة وأنه في الوقت الحالي لا يوجد للكلام ثمن، وليس عليه رقابة، في زمن الإعلام المفتوح.

حكومة المجدوب الوهمية بالأمس تذكرنا بحكومة قطيط قبل سنوات، ذلك الخارج فجأة من المجهول مستندًا إلى مصاهرته لعائلة صهيونية، الذي أعلن وقتها أنه قادم إلى الساحة الخضراء بطرابلس بتفويض شعبي ودولي لإنهاء حالة الفوضى والانقسام والاحتراب بين الليبيين، وحدد تاريخًا بالساعة والدقيقة لفعل ذلك، لكن ما أن جاء الموعد الذي وضعه حتى تبخر تمامًا، ولم يعد له وجود ولا حضور.

الحقيقة المرة أن ما جرى من عبث وأعمال طفولية في جنيف لا يختلف في واقع الحال عما تشهده دهاليز السياسة الليبية والدوائر الدولية الوصية عمليًّا على ليبيا، فمنذ 15 عامًا صار الليبيون يسمعون عن حكامهم من وسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن كانوا يصنعونهم في مرابيعهم بإرادتهم الحرة، ويسقطونهم متى شاءوا، ويلتقون بهم كلما رغبوا في ذلك بكل سهولة ويسر، بدون ميليشيات ولا أرتال حماية مدججة، صار الحكام الجدد في أغلبهم، للأسف، شللًا من التافهين والفاسدين الذين جِيء بهم من الأرصفة، بلا خبرة ولا كفاءة ولا وطنية، نصبتهم السفارات والبعثات مقابل رشاوى دفعت من أموال الليبيين ودمائهم.

ولعل سوق تعيين رئيس المخابرات في المجلس الرئاسي، وحجم الأموال المدفوعة والمطلوبة، شاهد على ذلك بالدليل والبرهان، وكذلك شكل ودور حكومات المحاصصة بين الدول وبين المجموعات المسلحة النافذة دليل آخر.

ما حصل الجمعة في جنيف مشابه للمسرحيات التي تمثلها بعثة هيئة الأمم المتحدة، ومقاولها بالباطن “مركز الحوار الإنساني”، التي تتكرر فصولها منذ عام 2014، لإلهاء الشعب عن المطالبة بإجراء انتخابات تمكن الليبيين من اختيار سلطة تنفيذية وتشريعية تتمتع بشرعية وطنية.

هذا العبث يفرض على المراقبين والمحللين السياسيين أن يضعوا ذلك نصب أعينهم عند تناول وتداول الشأن، فكل ما يجري مجرد عبث لا يختلف كثيرًا عن الحالة الوهمية التي يعيشها السلطان وعرّاسته لإضفاء نوع من البهجة على قلوب العروس والعريس وأسرهم المنهكين بمصاريف الزواج!!

لكن للأسف، المشهد الليبي الواقعي أكثر تعقيدًا من ذلك، فالنتيجة ليست عسكرًا يطاردون المحاميد يبحثون عن أشياء السلطان المفقودة، بل كارثة شاملة أصابت كل مناحي الحياة في ليبيا، التي صارت تعيش الظلام بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

قلبي على وطني.

زر الذهاب إلى الأعلى