اللاهوت وإشكالية التطهير: في التطهير 16

بقلم / مهدي امبيرش
قد تكون هذه المداخلة الأخيرة في سلسلة مداخلات حول طقس التطهير وعلاقته بأزمة الإنسان، وذلك الشعور الذي يسيطر عليه من أنه محدود وأن فيه قذارة أصلية يجب التطهر منها، لقد تناولنا ضمن هذه الأزمة وعديد المحاولات قديمها وحتى الآن، ولا أظنها ستنتهي، بدءًا من أزمة آدم وزوجه.
لقد ذكرنا أن الإنسان خُلِق في البداية من تراب، وهذا يعني أن في بعضه مكوِّنًا ماديًّا فيزيائيًّا، وأن هذا المكون مرَّ هو الآخر بأطوار، من التراب إلى الصلصال والحمأ المسنون، ثمَّ من هذه الأطوار أو المراحل يتقدم بعض من الفيزيائي المحض إلى الحياة، حيث الماء وأن كل شيءٍ حيٍّ من الماء “وجعلنا من الماء كلَّ شيءٍ حي أفلا يؤمنون” سورة الأنبياء.
هنا نفرّق من خلال اللسان العربي الذي تناولنا منهج تفكيره وتمظهراته من خلال وسائل التعبير أو العبور، إلى أن الخلق غير الجعل، فأصل الخلق من تراب أمَّا طور تحول بعض من المادي إلى الحياة فهذا ليس خلقًا بل جعلًا، أي مرحلة ثانية من مراحل الأطوار، وفي هذه المرحلة أو الطور يكون البشري الحي قبل أن يصير إنسانًا، وهذا ما ذكره الله تعالى في قوله للملائكة: “إِذ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلَائِكَةِ إِنِّي خَٰلِقُ بَشَرا مِّن طِين”، والخلق في علم الله تحقق كما يكشف لنا عن طبيعة هذا المخلوق غير الموجودات التي صارت أحياء، وهو سرُّ استفهام الملائكة من أن هذا البشري سيفسد في الأرض ويسفك الدماء وفيه إشارة إلى أن مخلوقات سابقة من الجن الثقل الذي كان من النار قد ارتكبت هذه الخطايا الفظيعة، فالله يريد أن يعلمنا من خلال الملائكة أن هذا الحكم الظاهري أو أن مادة الخلق ليست كافية لإصدار الأحكام، وهو الخطأ الذي لا يزال قائمًا اليوم عند من يصفون أنفسهم بالظاهريين، فحكم الملائكة أُسِّسَ على الاستقراء، وهو أسلوب خاطئ في الأحكام، حيث إن المخلوق من ثِقَل وهو الجن سيكون على نفس المخلوق من الثِّقل الثاني وهو الإنس.
هنا يخرج هذا المخلوق من التعميم إلى قدرته على التّعلُّم، حيث بالتّعلُّم يتقدم هذا البشري إلى الإنسان، لقد ذكرنا في مداخلات فائتة أنّ أزمةً معرفية أخرى نبَّهنا الحق إليها والتي تدل على تقدم في الوعي، حيث إن آدم تعلم إدراك العلاقة بين الاسم والمسمى، وهذا تم بالروح التي نُفِخت فيه وهو ما عجزت عنه الملائكة، لأنه ليس من مهمتها القدرة على هذا الربط والتفكير ومن ثَم الوعي والإرادة فهي تفعل ما تؤمر، ومن ثَم استحقَّ آدم الإنسان أن يأمر الله الملائكة أن تسجد له، أي لهذا المخلوق التام الذي قال الحق فيه دون أن يقوله عند إتمام خلق هذا الكون “ثُمَّ خَلَقنَا النُّطفَةَ عَلَقَة فَخَلَقنَا العَلَقَةَ مُضغَة فَخَلَقنَا المُضغَةَ عِظَاما فَكَسَونَا العِظَامَ لَحما ثُمَّ أَنشَأنَاهُ خَلقًا ءَاخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحسَنُ الخَالِقِين”، هذه الآية هي مرحلة الخلق الثاني الذي مرَّ من خلال أطوارٍ كذلك حتى أنها تُعَدُّ تنبيهًا إلى البحث في هذه الأطوار وقصة الخلق الثانية مرتبطةً بالقراءة، التي سبق أن تناولناها تضاف إلى قدرة الإنسان على التعلُّم سواءً بهذه الفطرة المرتبطة بالخلق أو بالوسيلة وهي مرحلة أخرى عن طريق القلم مع التذكير بالمفاهيم التي يقدمها مصطلح القلم.
هنا يمكن القول إنه مثلما مرَّ الإنسان بتلكم التطورات هناك إمكانية لأن يرتدَّ أسفل السافلين أي دون الحجر والفيزياء، لقد أُسْكِن آدم وزوجه الجنّةَ مؤقتًا، وهي في ربوةٍ عاليةٍ في الأرض، ولقد حذَّره تعالى من عدوهِ إبليس الذي يحقد عليه وأنه يعمل على إخراجه من الجنّة ليهبطَ من الربوةِ العالية التي لا تسمع فيها لاغية إلى الأرض المتطامنة والشقاء.
الوعي بالمصير كان هو نقطة الضعف التي وسوس الشيطان بها لآدم كي يخرجه من الجنة، فإذا كان آدم وزوجه على معرفةٍ بأصل الوجود إلّا أنهما نسيا أنهما موجودان من الوجود وليسا مطلق الوجود، وهي مشكلة لا تزال قائمة إلى اليوم في جهل الإنسان بالفرق بين الوجود المطلق وبين الموجود المحدود، لذا ارتكب آدم خطأً كبيرًا ورَّثه أبناءه من بعده، وهو أن الخطأ في عدم الاهتمام بالوسيلة على أنها بعض مشروع التحقق قد يؤدي إلى انهيار المشروع نفسه، فتوهم آدم أن تناول ثمرة هو وزوجه من الشجرة المحرمة سوف يحقق لهما الخلد، أي تجاوز محدودية الامتداد والزمان، وكذلك الملك الذي لا يبلى، فكانت النتيجة أن هذا الطغيان أوصلهما إلى الانكشاف والانفضاح أمام بعضهما البعض من خلال الظاهر من البدن الذي حاولا أن يسترا هذه العورة فيخسفان عنهما من ورق الجنة، لتبقى الشجرة رمز العلم مثلما هي الكلمة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء أي الامتداد والإثمار في كل حين.
وللحين في العربية مفاهيم كثيرة بعضها قياس زمن الامتداد إلى الحين الذي هو الموت ونهاية الوعي. هنا نجد أنفسنا في حاجة إلى حلقةٍ أخيرة تتناول بعض مظاهر هذه الأزمة خاصةً الشعور بالخطيئة ومحاولة ممارسة طقس التطهير.
