الأمن الغذائي بين الفساد والقضاء

بقلم/ عبد الله ميلاد المقري
إنَّ الانهيار الذي يصيب الخدمات في مختلف المجالات التي يتعين على الدولة الاضطلاع بها لا يرتبط فقط بعجزها عن الأداء وفق أنظمة إدارية ورقابية واضحة ومحددة، بل يتجاوز ذلك إلى تغوُّل شبكات الفساد التي نخرت بنيان هذه المؤسسات، رغم تعدد الأجهزة الرقابية المهنية التي منحها القانون صلاحيات اتخاذ الإجراءات ضد المخالفات، حتى وإن صدرت عن أصحاب القرار أنفسهم. لقد ترتب على هذا الخلل ضرر بالغ بالمواطن، مسَّ صحته وأمنه الغذائي، بل وامتد تأثيره إلى البيئة والمرعى والماشية. فكل ما يُقدَّم ويُشرف عليه ويُدار من سياسات وأنشطة ليس بمعزل عن المواطن، الذي يُعد المستفيد الأول، بل والمتضرر الأول أيضًا من أي خلل. فهو من يدفع ثمن هذه الخدمات، سواء بشكل مباشر أو عبر ما يُستقطع من جهده وإنتاجه. وللأسف، أصبح المواطن اليوم مستهدفًا في تعليمه وصحته وغذائه، وهذا الأخير يمثل الخطر الأكبر إذا ما تم التعدي عليه من قبل مافيات الفساد، التي قد تكون مدعومة من قوى نافذة لن يوقفها إلا تطبيق صارم للقانون. وقد بدأت ملامح هذه الحقيقة تتكشف للعلن، مع اقتناع متزايد لدى القضاء بأن الفساد قد ضرب أطنابه في مختلف مفاصل العلاقة مع الدولة.
وما شهدته البلاد مؤخرًا يمثل تطورًا خطيرًا، حيث وصلت الأمور إلى ارتكاب جرائم جسيمة تتعلق بتهريب أسمدة مغشوشة ومبيدات مسرطنة تُستخدم في الزراعة، ما يشكل تهديدًا مباشرًا للتربة والإنسان على حد سواء. وفي هذا السياق، يُسجل للقضاء الليبي نقلة نوعية وحاسمة، تمثلت في إطلاق حملة واسعة طالت مواقع متعددة للفساد، كشفتها النيابات في مناطق تُعد من أهم مراكز الإنتاج الزراعي، مثل بنغازي ومصراتة وطرابلس، إلى جانب مناطق أخرى تمثل مخزونًا رئيسيًا للخضراوات والفواكه من حيث الإنتاج والتسويق.
وقد أثبتت التحقيقات ونتائج الفحوصات المخبرية أن ما يقارب 65% من هذه المنتجات يشكل خطرًا على صحة الإنسان، نتيجة احتوائها على متبقيات مبيدات محظورة ومواد مصنفة دوليًّا كمسرطنة. كما كشفت التحقيقات أن هذه المبيدات دخلت البلاد عبر المنافذ الرسمية، ما يضع علامات استفهام كبيرة حول دور الجهات المختصة، بل ويجعلها شريكًا ضمنيًا في هذه الكارثة إن ثبت تقصيرها أو تواطؤها.
وفي ظل هذه المعطيات، يبرز تساؤل مشروع: أين الأجهزة المسؤولة عن الرقابة على الغذاء؟ وكيف سمحت بمرور هذه المواد الخطيرة؟ خاصة في ظل وجود مافيات تهريب، وعمالة غير نظامية لا تلتزم بالمعايير الصحية والفنية، وتسعى إلى تحقيق وفرة في الإنتاج بأي ثمن، حتى وإن كان على حساب صحة الإنسان.
إن هذه الممارسات تدخل في نطاق الجرائم التي يعاقب عليها القانون، لما تسببه من أضرار جسيمة قد تصل إلى حد تهديد الحياة. ولا يقتصر الخطر على الخضراوات والفواكه، بل يمتد إلى الأعلاف غير المطابقة، ما يؤثر على سلامة اللحوم، ويضاعف من حجم التهديد الصحي.
ورغم أهمية الجهود التي تبذلها النيابة العامة، فإن مواجهة هذه الأزمة تتطلب تحركًا وطنيًّا شاملًا، من خلال وضع برنامج متكامل للرقابة على الإنتاج الزراعي، يشمل: مراقبة استخدام المبيدات والأسمدة وتنظيم عمل المزارعين والعمالة الوافدة مع تشديد الرقابة على الاستيراد والتصنيع وأيضًا تجريم المخالفين من أفراد وشركات، كما يتطلب الأمر تعزيز التنسيق بين مؤسسات الدولة، وتفعيل دور المنافذ الجمركية، وتحويل الهيئات المختصة إلى أدوات فعالة وموثوقة قادرة على فرض السيطرة الكاملة على هذا القطاع الحيوي. ومن الضروري أيضًا أن تضطلع الجامعات ومراكز البحوث بدورها في إجراء دراسات علمية ميدانية حول مواقع الإنتاج الزراعي، وتأثيرها على صحة الإنسان، بالإضافة إلى تحليل مسارات التسويق والاستهلاك، بما يسهم في وضع حلول مستدامة قائمة على أسس علمية.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل أزمة تمس الأمن الغذائي الوطني، وتتطلب إرادة سياسية وقضائية وعلمية حقيقية لإنهائها، حمايةً للمواطن، وصونًا لمستقبل البلاد.
