مقالات الرأي

الدولة والموروث



بقلم / محمد بوخروبة

لا تبنى الدول الحديثة بالقرارات الإدارية وحدها، ولا تنهض المؤسسات بمجرد سن القوانين واستيراد النظم السياسية من تجارب الآخرين، بل تقوم في جوهرها على منظومة اجتماعية وثقافية تشكل وعي المجتمع وتحدد طبيعة علاقته بالدولة، وفي الحالة الليبية تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، إذ إن الموروث الاجتماعي ليس مجرد إرث تاريخي يحفظ في الذاكرة، بل هو قوة حية تؤثر في السلوك السياسي، وفي آليات اتخاذ القرار وفي شكل المؤسسات وقدرتها على أداء وظائفها.

لقد عرفت ليبيا عبر تاريخها الطويل بنية اجتماعية متماسكة، استندت إلى القبيلة والعائلة والعرف، وشكلت هذه البنية إطارًا حافظ على التماسك المجتمعي في ظروف غياب الدولة المركزية أو ضعفها، ولم يكن هذا الموروث في ذاته عائقًا أمام الاستقرار، بل كان في مراحل كثيرة صمام أمان للمجتمع، إذ حفظ الحقوق وساهم في حل النزاعات وأوجد منظومة من التضامن الاجتماعي يصعب تجاهل أثرها، غير أن الإشكال الحقيقي ظهر عندما حاولت الدولة الحديثة أن تتعامل مع هذا الموروث بوصفه خصمًا ينبغي إقصاؤه، أو عندما تعامل معه بعض الفاعلين السياسيين باعتباره بديلًا كاملًا عن مؤسسات الدولة، فكانت النتيجة صراعًا بين شرعيتين لا تكاملًا بينهما.

إن الدولة الحديثة لا تبنى على أنقاض المجتمع وإنما تبنى انطلاقًا منه، ولذلك فإن أي مشروع وطني لإعادة بناء مؤسسات الدولة الليبية يجب أن يبدأ بفهم عميق للخصوصية الاجتماعية والثقافية، وأن يدرك أن نجاح المؤسسات لا يقاس بمدى تشابهها مع نماذج أجنبية، وإنما بقدرتها على الانسجام مع البيئة التي تعمل فيها.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن المؤسسات التي تفرض من خارج السياق الاجتماعي سرعان ما تتحول إلى هياكل جامدة، تفتقد الثقة الشعبية وتعجز عن أداء وظائفها، أما المؤسسات التي تنشأ من رحم المجتمع وتحترم قيمه وتستثمر عناصر قوته، فإنها تمتلك قدرة أكبر على الاستمرار والتطور، ومن هنا فإن المطلوب في ليبيا ليس إعادة إنتاج الدولة التقليدية، ولا استنساخ الدولة الغربية وإنما صياغة نموذج ليبي حديث يجمع بين الأصالة والمعاصرة.

ولا يعني ذلك إطلاقًا أن تبقى القبيلة أو الانتماءات المحلية بديلًا عن الدولة، فالدولة وحدها هي صاحبة السيادة والقانون وهي الإطار الجامع لجميع المواطنين على قدم المساواة، غير أن الحكمة السياسية تقتضي تحويل الموروث الاجتماعي من منافس للمؤسسات إلى شريك في ترسيخها، عبر توظيف المكانة الاجتماعية للقيادات المحلية في نشر ثقافة القانون وتعزيز المصالحة ودعم السلم الأهلي، دون أن يكون ذلك على حساب مبدأ المواطنة أو سلطة القضاء.

إن إعادة تشكيل مؤسسات الدولة الليبية ينبغي أن تقوم على فلسفة جديدة، تجعل الإنسان الليبي محورًا للإصلاح لا مجرد متلق للقرارات، فالمؤسسات ليست مباني فخمة ولا هياكل تنظيمية معقدة، وإنما هي منظومات ثقة قبل أن تكون منظومات إدارة، وكلما شعر المواطن بأن المؤسسة تعبر عنه وتحترم هويته وتكفل حقوقه، ازداد التزامه بها وتحولت من سلطة تفرض عليه إلى كيان يحمي مصالحه.

ومن أبرز التحديات التي تواجه ليبيا اليوم استمرار الفجوة بين النصوص القانونية والواقع الاجتماعي، فكثير من التشريعات صيغت بلغة قانونية حديثة، لكنها لم تدعَم ببرامج ثقافية وتعليمية ترسخ قيم المواطنة والمسؤولية العامة، الأمر الذي جعل تطبيقها يصطدم أحيانًا بعادات اجتماعية راسخة، لذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من تعديل القوانين فحسب، بل من بناء ثقافة وطنية تؤمن بأن الدولة ليست كيانًا منفصلًا عن المجتمع، وإنما هي التعبير المنظم عن إرادته.

كما أن تطوير مؤسسات الدولة يقتضي إعادة الاعتبار للكفاءة والنزاهة باعتبارهما معيارين أساسيين لتولي المسؤوليات العامة، بعيدًا عن الاعتبارات الضيقة، سواء أكانت قبلية أم جهوية أم سياسية، فالدولة التي تدار بالمحاصصة لا تستطيع أن تحقق العدالة، والمؤسسات التي تبنى على الولاءات لا يمكن أن تنتج إدارة رشيدة أو تنمية مستدامة.

وفي المقابل فإن المحافظة على الموروث الاجتماعي لا تعني تجميده أو تقديسه، فكل مجتمع حي يراجع موروثه باستمرار، فيحتفظ بما يعزز وحدته وقيمه الإنسانية ويتجاوز ما لم يعد ملائمًا لمتطلبات العصر، فالعادات التي تدعم التكافل واحترام الكبير وإكرام الضيف والوفاء بالعهود وحل النزاعات بالحكمة، تمثل رصيدًا أخلاقيًّا يمكن للدولة الحديثة أن تستثمره في ترسيخ ثقافة المسؤولية العامة، أما الممارسات التي تعوق سيادة القانون أو تكرس التمييز أو تضعف مبدأ المواطنة، فإن تجاوزها يصبح ضرورة وطنية لا خيارًا سياسيًّا.

إن مستقبل ليبيا لن يصنع بالانقسام بين الماضي والحاضر وإنما بالتوفيق بينهما، فالموروث الاجتماعي ليس عبئًا إذا أحسن توظيفه، كما أن الدولة الحديثة ليست مشروعًا غريبًا إذا تأسست على احتياجات المجتمع وقيمه، وبين هذين البعدين تكمن فرصة تاريخية لبناء دولة قوية عادلة ومتماسكة.

إن ليبيا تمتلك من المقومات البشرية والثقافية والتاريخية ما يؤهلها لتقديم نموذج وطني متميز في بناء الدولة، شريطة أن يكون الإصلاح قائمًا على رؤية استراتيجية تتجاوز ردود الأفعال والحلول المؤقتة، فالدولة الحديثة ليست غاية في ذاتها وإنما وسيلة لتحقيق الكرامة الإنسانية وسيادة القانون والعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.

وحين تلتقي حكمة الموروث مع كفاءة المؤسسات، ويلتقي الانتماء الوطني مع سيادة القانون، تتحول الدولة من مجرد سلطة إدارية إلى مشروع حضاري جامع يجد فيه كل ليبي نفسه شريكًا في البناء لا متفرجًا على مساره، عندها فقط يمكن القول إن ليبيا قد بدأت بالفعل رحلة العبور من دولة أنهكتها الأزمات إلى وطن تؤسس مؤسساته للمستقبل بثقة وتستمد قوتها من مجتمعها لا من الصراع معه، ليكون التوافق بين الهوية الوطنية والدولة الحديثة حجر الأساس لنهضة ليبية راسخة ومستدامة.

زر الذهاب إلى الأعلى