عندما يُهدم التاريخ باسم التطوير

بقلم / يوسف امحمد الشريف
تُعد المدن التاريخية أكثر من مجرد مبانٍ قديمة أو شوارع ضيقة تحمل آثار الماضي، فهي ذاكرة الشعوب ومرآة هويتها الحضارية. وفي هذا السياق يأتي طرح د. عائدة محمد الجروشي، المتخصصة في العمارة والحفظ التاريخي والعمراني، حول مفهوم “الحق في المدينة” ليعيد فتح نقاش مهم حول واقع التراث العمراني في ليبيا، وخاصة مدينة طرابلس القديمة التي تمثل واحدة من أهم الشواهد المعمارية والثقافية في البلاد.
إن أخطر ما يواجه المدن التاريخية ليس عامل الزمن بحد ذاته، بل النظرة السطحية التي تختزل المباني التراثية في كونها “مباني آيلة للسقوط” دون فهم لقيمتها التاريخية والعمرانية. فالمبنى التاريخي ليس مجرد أحجار وجدران يمكن استبدالها، بل هو سجل حي يحمل ذاكرة المجتمع، ويعكس تطور الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عبر مئات السنين. ولذلك فإن التعامل معه يجب أن يكون وفق منهج علمي يعتمد على الترميم والحفاظ وإعادة التأهيل، وليس وفق منطق الإزالة أو الإهمال.
إن استخدام شعار “المباني الآيلة للسقوط” دون دراسة علمية دقيقة قد يتحول إلى ذريعة لتبرير العبث بالإرث العمراني، لأن بعض المباني التي تبدو متضررة يمكن إنقاذها من خلال التدخلات الهندسية المتخصصة. فالحفاظ المعماري في العالم لم يقم على هدم الماضي، بل على احترامه وإعادة دمجه في الحياة المعاصرة. فالمدن التاريخية الناجحة هي التي استطاعت أن تجمع بين الأصالة ومتطلبات العصر.
وتطرح قضية إدارة المدينة القديمة في طرابلس سؤالًا جوهريًّا حول أهمية الكفاءة والتخصص في إدارة المواقع التراثية. فالمواقع التاريخية ليست مجرد مناطق إدارية تحتاج إلى قرارات يومية، وإنما منظومات ثقافية معقدة تتطلب معرفة بتاريخ العمارة، وأساليب الترميم، والتخطيط الحضري، والقوانين المحلية والدولية الخاصة بحماية التراث. لذلك فإن اختيار المسؤولين عن هذه المواقع يجب أن يقوم على الخبرة العلمية والمهنية، لأن أي خطأ في الإدارة قد يؤدي إلى فقدان عناصر لا يمكن تعويضها.
كما أن حماية التراث الليبي لا يمكن أن تتحقق من خلال النقد فقط، بل تحتاج إلى مشروع وطني شامل يشارك فيه المختصون والجامعات ومؤسسات الدولة والمجتمع المحلي. فالمدينة القديمة ليست مسؤولية جهة واحدة، وإنما مسؤولية وطنية تتطلب رؤية واضحة للحفاظ عليها وتحويلها إلى مصدر للثقافة والتنمية والسياحة المستدامة.
إن ما يحدث في بعض المدن التاريخية الليبية يعكس أزمة أعمق تتمثل في ضعف الوعي بقيمة التراث، حيث يتم أحيانًا التعامل مع الماضي باعتباره عبئًا بدل أن يكون مصدر قوة. فالأمم التي تحترم تاريخها لا ترى في مبانيها القديمة عائقًا أمام التنمية، بل تعتبرها أساسًا لبناء مستقبل أكثر ارتباطًا بالهوية.
إن الدفاع عن المدينة القديمة في طرابلس هو دفاع عن حق الليبيين في مدن تحمل ذاكرتهم وتحافظ على شخصيتهم الحضارية. فالإرث الثقافي ليس ملكًا للأفراد أو الإدارات المؤقتة، بل هو أمانة للأجيال القادمة. وبينما تتغير الحكومات والوجوه، تبقى المدن التاريخية شاهدة على ما فعلناه بها؛ إما أن نحميها ونفتخر بها، أو نترك الإهمال يمحو صفحات من تاريخ ليبيا لا يمكن استعادتها.
فالمدينة القديمة ليست مباني متهالكة تنتظر السقوط، بل هي تاريخ حي يحتاج إلى علم واحترام ومسؤولية.
